تشير مناسبات عدة في مجال الأدب والسينما هذا الصيف الى أن الثقافة العربية تمارس تأثيراً متزايداً في بريطانيا. وتسهم اعمال منتجين سينمائيين وكتّاب روائيين عرب في هدم بعض الصور النمطية والافتراضات التبسيطية عن العرب، وتقدم صورة اكثر تعقيداً بكثير تمتاز برهافة حس وتمايزات. ومن بين المناسبات اطلاق فيلم "موسم الرجال" عبر دور السينما الفنية، وهو الثاني للمخرجة التونسية مفيدة التلاتلي. وكان الفيلم عرض في مهرجانات كثيرة حول العالم منذ إطلاقه العام الماضي، ونال في آذار مارس الماضي جائزة مهرجان سينما النساء الثامن في تورين في إيطاليا. وبدأ "موسم الرجال" عرضاً يستمر ثلاثة اسابيع في معهد الفن المعاصر "آي سي اي" في وسط لندن في 29 حزيران يونيو. كما يُعرض في سينما "لومييه" في لندن وفي دور سينما اخرى في ادنبرة في اسكتلندا وخمس مدن انكليزية. ويعكس الانتباه الذي توليه وسائل الإعلام البريطانية للفيلم وللتلاتلي ذاتها الاهتمام المتزايد بأعمال المخرجات من الشرق الأوسط. فقد شهد مركز باربيكان في لندن ايار مايو الماضي مهرجاناً سينمائياً ناجحاً لمخرجات ايرانيات. وقبل ان تصبح مخرجة أمضت التلاتلي 20 سنة في العمل كمحررة مع مخرجين عرب بارزين. وحظي فيلمها الأول "صمت القصور" الذي أُطلق في 1994، بإشادة واسعة ونال جوائز عدة في مهرجانات عالمية. ويركز "موسم الرجال"، مثل فيلم التلاتلي الأول، على حياة نساء في بيئة مغلقة وعلى التوترات الناجمة عن ضغوط المجتمع والموقف تجاه المرأة. وينقل التصوير الجميل للفيلم بشكل بليغ بواطن حياة النساء والبيوت التي تطبق عليهن. تدور احداث "موسم الرجال" في جزيرة جربا التي يهاجر منها الأزواج الى تونس ليبقوا هناك 11 شهراً، ويعودون بعدها الى جربا لقضاء "موسم الرجال" في الشهر المتبقي من السنة. وفي غياب الأزواج تصبح الحماة الشخصية النافذة من دون منازع. وتبين التلاتلي ان الرجال ليسوا وحدهم الذين يضطهدون المرأة بل ان النساء ذاتهن يساهمن في إدامة هذا النظام. كانت عائشة ربيعة بن عبدالله، الشخصية الرئيسية في الفيلم، تريد ان تعيش مع زوجها سعيد عز الدين جنون في تونس بعد زواجهما، لكنه يقول ان عليها أولاً أن تنجب له ولداً. وبعد ان تنجب ابنتين، مريم غالية بن علي وآمنة هند صبري، تُرزق بالولد الذي طال انتظاره، عزيز عادل هرغال، لكنه يعاني تخلفاً عقلياً. ويسلط هذا ضغوطاً كبيرة على العلاقة بين سعيد وعائشة التي ترفض ان يوضع عزيز في معهد للمتخلفين عقلياً. وتعود معه وابنتيها الى جربا. وتعاني البنتان مشكلاتهما الخاصة، فآمنة، وهي عازفة كمان، تحب قائد فرقتها الموسيقية، لكنه رجل متزوج. وما تزال مريم عذراء بعد ستة أشهر من الزواج. اما زينب، وهي شخصية رئيسية اخرى، فقد هجرها زوجها بعد زواجهما قبل ذلك بسنوات كثيرة وتعاني مشاعر إحباط لا تنتهي. ويلعب فن الحياكة دوراً مهماً في الفيلم. وتنتج عائشة قطع سجاد جميلة يأخذها سعيد الى تونس. وفي الحياكة يجد عزيز، المشوش والمضطرب، هدوءاً داخلياً وطريقة للتعبير عن نفسه فنياً في الألوان والأشكال. وأرادت التلاتلي ان تنهي الفيلم بهذه النبرة المفعمة بالأمل، اذ تكتشف شخصية ذكورية جانبها الأنثوي. وخلال زيارة الى لندن للدعاية لفيلمها قالت التلاتلي ل"الحياة" انها فوجئت بالطريقة التي وجدت الأوروبيات يشعرن بالانتماء الى عالم المرأة في الفيلم، على رغم ان حياتهن بعيدة تماماً عن حياة النساء في جربا: "كان هناك تماه كلي مع الحاجة الى زوج، وتماه كلي مع العزلة - وبشكل خاص العزلة الجنسية - وقد هزّهن الفيلم وأثار مشاعرهن". وهي تلاحظ ان جدلاً كثيراً لا يزال يدور في فرنسا وبلدان غربية اخرى حول دور الرجال والنساء، وتعاني نساء كثيرات العنف على ايدي أزواجهن ولا يزلن يتقاضين اجوراً أقل من الرجال في العمل. وتقول: "إنها معركة مستمرة في كل مكان". وتقول التلاتلي ان بعض ناقدات السينما التونسيات وأفراداً في الجالية التونسية في الخارج انزعجوا من الطريقة التي عُرضت بها تونس في الفيلم. فأثناء عرض الفيلم في فرنسا احتجت شابة تونسية بأن "التونسيات لا يرتدين هذه الملابس التقليدية بل يرتدين البنطلون، وهن عصريات تماماً". لكن التلاتلي تلفت الى أنها تلقت خلال إنتاج الفيلم مشورة من لجنة تضم خمس نساء من جربا لضمان ألاّ تقع في فخ "الاستشراق". داخل تونس أثار الفيلم ردود فعل بالغة التنوع. وقالت التلاتلي ان "هناك كثيرين يقولون انهم يقدرون عالياً ما أُنجز، بشكل خاص النساء اللاتي يجدن تماهياً مع المشكلات التي عولجت في الفيلم. لكن هناك آخرين ممن يشعرون بأن فتح جدل حول عُذرة النساء وجنوستهن شيء في منتهى الخطورة". ويستأثر تونسي آخر حالياً باهتمام في بريطانيا، وهو الكاتب حسونة مصباحي الذي أُدرج ضمن لائحة قصيرة بخمسة كتاب مرشحين لنيل جائزة "كاين" للأدب الافريقي، وتبلغ قيمة الجائزة الأولى 15 ألف دولار. واختيرت اللائحة من بين اكثر من 120 عملاً قدّمت من 28 بلداً افريقياً، وسيُعلن اسم الفائز في 23 تموز يوليو في مأدبة عشاء احتفائية في مكتبة "بودليان" في جامعة اكسفورد. وجائزة "كاين" مخصصة للقصة القصيرة وليس للروايات. وفي قصته "السلحفاة" المرشحة للجائزة، يقدم مصباحي عملاً حياً ومؤثراً عن صبي مرهف الحس ينشأ في قرية تونسية. يعاني الصبي الضرب على ايدي افراد عائلته، ويتوق الى تجاوز حدود مجتمع القرية والحصول على تعليم. والقصة مأخوذة من مجموعته "السلحفاة" التي صدرت عن "دار جلجامش" في باريس في 1996 وترجمت من اللغة العربية الى الإنكليزية من قبل بيتر كلارك. وكانت الترجمة للقصة نشرت في الأصل في عدد خريف 1999 لمجلة "بانيبال" التي تصدر في لندن، ويتضمن العدد الأخير للمجلة ترجمة اخرى لأعمال مصباحي. ومن بين الكتاب الأربعة الآخرين المرشحين لنيل جائزة "كاين" الروائي الصومالي المعروف نورالدين فرح، عن روايته "علاقة غرامية" التي صدرت عن دار "ذي بيكادور بوك" للروايات الافريقية. وتضم اللائحة القصيرة ايضاً مايا كوتو من موزامبيق عن قصتها "الأمير الروسية" وليليا مومبل من موزامبيق عن "مأدبة سلينا" صدرت هاتان القصتان عن دار "ذي بيكادور بوك" للروايات الافريقية، وهيلون هابيلا من نيجيريا عن "قصائد حب" نشرتها دار "ربيك بوكس" في لاغوس. يذكر ان جائزة "كاين" أُنشئت تكريماً لذكرى الراحل مايكل كين، رئيس "بوكر".