سأبدأ بالكلام من غير ان ألتزم حرفياً بالسؤال الذي يتسع لأمور عدة. لقد كُتب الكثير عن الحروب... روايات وأقاصيص وأخبار، غير أن ما بقي منها قليل جداً. لماذا؟ لأننا، في التعبير عن هذه المحنة الكبرى، نحتاج، إضافة الى الموهبة الأصيلة، الى صدق مؤسس على المعاناة الشخصية. لا يمكن لأية موهبة روائية أن تحل، في تعبيرها المؤثر، محل المشاركة الفعلية في الحرب. ولذلك خلدت روايات مثل كل شيء هادئ في الجبهة الغربية والحرب والسلام ووداعاً للسلاح. واعتماداً على هذه المقولة، هل تقدم المادة المشهدية التي تبثها وسائل الاعلام المرئية، بديلاً عن المشاركة والمعاناة؟ لا أظن ذلك. ففي تجربة المعاناة رهبة نفسية تطبع جسد الكاتب وفكره بميسم، تختلط فيه مشاعر الخوف وأحاسيس مواجهة الموت. ثم هنالك المواقف التي تقع أمام الكاتب من دون أن يكون بينه وبينها أي فاصل، أي انه يدخل شخصياً الى تلك المواقف ويصير جزءاً منها، يعايشها ويتلقى مؤثراتها. أما المادة المشهدية التي تقدم رعب الحرب عبر صور ملونة، فإنها تبقى بعيدة في شكل من الأشكال عن ذات الكاتب الروائي، بمعنى أنه لن يقدر على دخول المشهد وعلى أن يصير جزءاً منه، على رغم ان من الممكن أن يكون مأخوذاً به. المادة المشهدية لا تستطيع أن تحل محل المعاناة الشخصية ولا أن تؤثر ذات التأثيرات القوية التي تتركها المشاركة الفعلية والمعاناة. لذلك أعتقد أن الفن الروائي لن يعدّل من قواعده الأساسية بالنسبة الى قوة الكتابة النابعة من تجربة فعلية. غير أن ذلك لا ينفي أن تتسلل هذه المادة المشهدية بصورة غير مباشرة الى نفس الكاتب فتؤثر فيه وتغير من وجهات نظره ليس نحو الحرب فحسب، بل نحو الحياة وقيمتها ونحو الآخرين ومدى مسؤوليتنا عنهم.