عاصر المؤرخ الدمشقي ابن الحمصي احمد بن محمد بن عمر الانصاري فترة انتقال بلاد الشام ومصر من عصر المماليك الى عصر العثمانيين. فالمؤرخ شاهد على بداية فترة ونهاية فترة وما تحمله من آلام وآمال. فابن الحمصي عاش طويلاً 841 - 934 ه / 1437 - 1527 م ودخل في مغامرات مختلفة تعرف خلالها إلى تعقيدات السياسة واختلاف الآراء وتشعب المصالح خصوصاً في المرحلة المملوكية التي تولى خلالها مناصب مهمة في القضاء والتدريس والخطابة متنقلاً بين دمشقوالقاهرة الى ان تقاعد في شيخوخته في عاصمة الامويين وتفرغ لكتابة التاريخ ومتابعة حوادث عصره وتسجيل انطباعاته ووضع تراجم للراحلين في حياته. اتبع ابن الحمصي في تاريخه تقاليد المؤرخين القدامى وسلك مناهجهم واسلوب تغطية اخبار عصرهم واسلافهم من دون ان يبذل جهده للتميز عن بعضهم بادخال عناصر مختلفة في قراءة الواقعة مكتفياً بتسجيلها من دون تحليلها وربط اسبابها. فابن الحمصي في تاريخه مجرد صحافي ينقل ما يشاهده من دون ملاحظات ويسجل الاخبار التي ترده من دون تدقيق. فالاسناد عنده ضعيف لا يرقى الى تاريخ الطبري المؤرخ والمفسر الذي حرص على اسناد اخباره بمصادر مختلفة، ولا يرتقي الى ابن خلدون واضع نظرية علم العمران ولا حتى الى المقريزي صاحب الخطط أو غيرهما من المؤرخين المفكرين. تشبه منهجية ابن الحمصي تلك المناهج التي سادت في عصره فاكتفى بالرصد والمتابعة من دون تدخل كما فعل غيره من المؤرخين الذين عاصروا فترته كابن طولون 880 - 953 ه وابن اياس 852 - 930 ه وابن زنبل توفي 959 ه. فهؤلاء ارخوا للفترة نفسها، فمنهم من رصد نهاية العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، ومنهم من تابع حوادث الفترة العثمانية بعد سيادة سلطان العثمانيين على بلاد الشام ومصر. وتقتصر اهمية ابن الحمصي على انه رجل دولة ورجل علم فجمع بين الحقلين وشهد فترة انتقالية كان لها اثرها في تاريخ المنطقة ومستقبلها. الى ذلك حاول ابن الحمصي تقليد السلف في قراءة التاريخ، فهو كتب تاريخه الكبير منذ البدء الى عصره وذلك على منوال كل المؤرخين المسلمين ثم عاد واختصر تاريخه الى اجزاء قليلة تقتصر على عصره معتبراً تاريخه مجرد "ذيل" او "تكملة" على تاريخ ابن حجر العسقلاني 773 - 852 ه. ومن سوء حظ ابن الحمصي ان تاريخه الكبير ضاع وفقد مع الكثير من المخطوطات العربية - الاسلامية. ومن حسن حظه ان تاريخه الصغير حوادث الزمان نجا من الاهمال. وهو نظرياً الجانب الاهم في تاريخه لانه يغطي فترة عايشها وشهد تحولاتها. ف"حوادث الزمان" هو اقرب الى الذيل والتكملة منه الى كتاب تاريخي يعكس وجهة نظر المؤرخ. ولا ينفرد ابن الحمصي في هذا النوع من الكتابة التاريخية. فغيره من كبار المؤرخين سلكوا المنهاج نفسه حين اكملوا ما انتهى اليه السابق او ذيلوا حوادث عصرهم وألحقوها بمن سبقهم من المؤرخين. فابن حجر اكمل ما انتهى اليه ابن كثير وصولاً الى حوادث 850 هجرية، وابن الحمصي اكمل ما انتهى اليه ابن حجر فابتدأ من 851 هجرية وصولاً الى 931 هجرية ... وهكذا. ومن الناحية النظرية لا نلحظ من بقايا كتاب ابن الحمصي الكبير عناصر فكرة جديدة عن كتابة التاريخ. فرأيه في التاريخ اقرب الى الانشاء. فهو مجرد مقلد. ولا يبدو انه كان في صدد تأسيس رؤية مغايرة لمن سبقه من المؤرخين. ومع ذلك يبقى لكتابه اهمية عملية لانه يسد ثغرة عن فترة شديدة التداخل والخطورة ويلقي الضوء على جوانب خفية او اغفلها كتّاب التاريخ في عصره. هناك الكثير من التفاصيل اوردها ابن الحمصي في تاريخه تشي بملامح معلومات عن المظاهر الاجتماعية والحياة المعيشية. فهو يتحدث كثيراً عن الغلاء وارتفاع اسعار الحاجات والفلتان الامني والظروف القاهرة التي يعيشها الناس الى اشارات عن اضطرابات سياسية او امنية في البقاع والمتن ومناطق الجوار. اضافة الى اخبار لافتة عن الامراض وخصوصاً الطاعون الذي جرف في عصري ابن خلدون المغرب وابن كثير الشام آلاف الضحايا ودرس العمران وحطم الدول وواصل انتشاره حتى عهد ابن الحمصي. الا ان تلك المعلومات لم تتحول في اسلوب ابن الحمصي السردي الى عناصر مشتركة ومترابطة ساهمت في اضعاف دولة المماليك وتسهيل امر العثمانيين. فالمماليك بقراءة ابن الحمصي هم الترك، والسلطان سليم الاول هو ملك الروم الاناضول والصراع بينهما تم على ارض بلاد الشام ومصر. ومع ذلك لا تثير الحوادث في ذهن ابن الحمصي اي سؤال. فالالتباس عنده راسخ الى حد الخضوع الكامل لتقلبات الغالب والمغلوب. فالانتقال من عصر الى عصر هو مجرد اعلان الاسف على المغلوب المملوكي واعلان الترحيب بالغالب العثماني. فالزمن عند ابن الحمصي لا صلة له بالتاريخ او بكتابة التاريخ. فهو مجرد تعاقب الايام وتتاليها من دون تراكم او وعي له. وعلى اساس تلك الصورة غير المركبة في وعي ابن الحمصي قرر كتابة تاريخ عصره وترجمه اعلام عهده منذ فترة ولادته الى يومه من دون ربط لحظات الزمن ورؤية التحولات من الداخل. وبسبب تلك الصورة التسجيلية دوّن ابن الحمصي لحظات التصادم معركة مرج دابق بين المماليك والعثمانيين وانهيار الفريق الاول لمصلحة الثاني من دون انتباه لمفارقة الانتقال من عصر الى عصر.