يتطرف نيقولاي بيرياسلَف إذ يعتبر الادب الروسي اليوم واقعاً تحت احتلال النزعات الأدبية الغربية، لكن الأدب في روسيا، كما الاقتصاد والسياسة والاجتماع، تلقى صدمة كبيرة مع انهيار سريع للاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، وانفتاح بلا حدود همّش القيم المتوارثة بل قتلها من دون ان تجد القيم الغربية البديلة محلاً في الوجدان العام. لكن روسيا الثقافة واقعة منذ عهد بطرس الأكبر بين شرق وغرب. وهي اليوم تعيش دمارها وتعاود اسئلتها التكوينية على وقع حرب الشيشان والضائقة الاقتصادية. الأدب، كتعبير عن الأسئلة، هو ما يقدمه هذا العدد من "آفاق"، علماً ان الأدب الروسي حاضر في العالم العربي منذ اوائل القرن العشرين. ونذكر الرسائل المتبادلة بين الشيخ محمد عبده وليو تولستوي، إذ عبّر الاول للثاني عن اعجابه بأفكاره وأنها تلتقي مع المسلمين وتعاليم نبيّهم. فأجاب تولستوي أنه يعرف الاسلام والمسلمين وقد عايشهم في القوقاز وكتب عنهم روايته "الحاج مراد". ووُجدت دائماً بعثات عربية وروسية متبادلة، فاستقر في موسكو وبطرسبورغ عرب يعلمون لغتهم ويتعاونون مع المستشرقين، أبرزهم المصري محمد عياد الطنطاوي. ووجدت في المشرق العربي مدارس روسية عرف من خريجيها ميخائيل نعيمة الذي تابع علومه في روسيا وكتب بلغتها قصائد عام 1905 قبل ان يهاجر الى الولاياتالمتحدة ليلعب دوراً ابداعياً ونقدياً في الأدب المهجري. ولا يخفى تأثير عدد من الكتاب الروس مثل غوغول وتشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي في الرواية العربية، بما تتضمن اعمال هؤلاء من وعي بالواقعية يؤدي غالباً الى تجاوزها. وظهر تأثيرهم في روايات الاربعينات والخمسينات عند العرب. كما أن الشحنة الروحية التي يتضمنها الأدب الروسي توافقت مع البعد الوجداني المعهود في الكتابة العربية، فاستطاع كاتب مثل نجيب محفوظ أن يتوازى مع دوستويفسكي في الحفر النفسي للشخصيات من خلال تفصيل واقعها الذاتي والاجتماعي. ولم تستطع جهود الاحزاب الشيوعية العربية "الرسمية" أن تمنع تواصل العرب مع الكتّاب الروس المذكورين آنفاً، والذين دانت الستالينية اعمالهم باعتبارها رجعية. كما لم تستطع ترجمات دار التقدم في موسكو، على رغم اهمية بعضها، ان تضع رواية "والفولاذ سقيناه" في محل رواية "الاخوة كرامازوف". اما الشعر الروسي فقد كان تأثيره قليلاً. نجده في بعض الشعر العراقي والفلسطيني في السبعينات حيث ظلال قصائد يفتوشنكو زار العالم العربي مرات عدة. لكن الوطأة الكبيرة للنقد الروسي الستاليني لا تزال حاضرة الى اليوم في خلفية نقاد كثيرين في عالمنا العربي على رغم لبوسهم قناع الحداثة... وكتاب جدانوف "ان الأدب كان مسؤولاً الذي ترجمه هاشم الامين الى العربية كدليل ستاليني للناقد العربي، لا يزال على رغم هشاشته حاضراً، تساعده الذريعة "النضالية" ومحاولة اسقاط النموذج الايديولوجي الثابت البسيط على واقع متحرك ومعقد.