"التقرير" الذي رفعته اللجنة العلمية في القاهرة عن رواية "وليمة لأعشاب البحر" وكانت "أخبار الأدب" سبّاقة في نشره، ينبغي أن يُعمّم ويُنشر كبيان أدبيّ يفضح الافتراءات التي تعرّضت لها الرواية ويردّ خير ردّ وأعمق ردّ على الحملات المغرضة التي واجهت صاحبها الكاتب السوري حيدر حيدر. فالنقاد الذين كتبوا "التقرير" وضعوا النقاط على الحروف وكشفوا آلية "التحريف" التي اعتمدها أولئك المصطادون في الماء العكر وفضحوا نيّاتهم من غير أن يتخلوا عن لغتهم الأكاديمية الهادئة ومنهجهم النقديّ الرصين. ومَن يقرأ "التقرير" يدرك كم أنّ ذريعة الظلاميين الواهية لا تستطيع أن تصمد لحظة أمام القراءة الحقيقية للرواية. فالرواية التي صدرت قبل سبعة عشر عاماً في قبرص وبيروت ليست رواية دينية ولا علاقة لها بالدين بل هي رواية سياسية بامتياز وأحداثها تجري بين العراق والجزائر في النصف الأول من القرن المنصرم. و"الجملة" السلبية التي اقتطعها "الظلاميون" قصداً وابتسروها وحرّفوها وشوّهوها لغاياتٍ معروفة ترد على لسان شخصية سلبية جداً، شخصية مختلقة ومتخيّلة هي شخصية مهيار الباهلي الشيوعي العراقي الهارب. والمنطق السلبي الذي تميّزت به هذه الشخصية المنحرفة والمنفعلة قابله منطق آخر كانت تأخذ به شخصيات أخرى أقلّ سلبية وبعضها شديد الايجابية. أما الكاتب الذي تنكّب مهمة رسم الواقع السياسي العربي من خلال الثورتين العراقية والجزائرية فلا يستطيع أن يختلق أو يتخيّل شخصيات غير حقيقية أو مزيّفة. والشخصية السلبية هي شخصية سلبية في منطقها وسلوكها والشخصية الايجابية هي ايجابية أيضاً منطقاً وسلوكاً. والمناضل الشيوعي العراقي المنهار والمحطّم والمعزول لا يستطيع أن يكون قديساً أو أن يتكلّم مثل المبشرين. فالشخصية الروائية هي شخصية حقيقية وربما أكثر حقيقية من الشخص الذي تمثّله أو تتمثّله. وهكذا قبالة هذه الشخصية المنحرفة تبدّت شخصيات ايجابية جداً ومنها على سبيل المثال شخصية الأب الذي دعا زوجته الى تربية الأسرة تربية "تليق بنا كمسلمين". قد لا يحتاج حيدر حيدر الى مَن يبرّئ يديه ولا إلى من يشهد على سلوكه الحسن فهو لم يقترف أيّ ذنب في حق "أحد" فرداً كان أم جماعة، ولم يسعَ أبداً إلى إثارة أي نعرة أو إلى التعرض للذاكرة العامة أو الجماعية. كلّ ما فعل أنه اختلق شخصيات تتخبط في حال من الصراع السياسي والوجودي، الواقعي والمتخيّل، التاريخيّ والرمزيّ. وهذا دأبه كروائي يبني عالماً متوهماً على أنقاض العالم الواقعي، عالماً متخيلاً قد يكون أشد واقعية من العالم الواقعي نفسه. ولو كان حيدر حيدر يطمح الى أن يكون بطلاً لكان سعى الى هذه "البطولة" قبل سبعة عشر عاماً أي حين صدور الرواية في طبعتها الأولى ولما كان انتظر كل هذه السنوات ليصبح بطلاً بعدما تجاوز الستين وخلد الى "الاستراحة" في قريته السورية النائية. ليست القضية إذاً هي قضية حيدر حيدر بل هي قضية الصراع السياسي المستميت الذي تخوضه إحدى الجماعات المصرية من أجل تحقيق مآربها السياسية. وهي وجدت في رواية "وليمة لأعشاب البحر" وقوداً ملائماً لإضرام نار الفتنة في "ربوع" القاهرة، هذه المدينة التي بدأت تتحوّل عاصمة للثقافة العربية والابداع العربي، متخطية حواجز الاقليمية والمحلية التي تعرفها معظم المدن. ولعل سلسلة "آفاق الكتابة" وسواها ممّا يصدره المجلس الأعلى للثقافة والهيئة العامة للكتاب هي خير دليل على انفتاح الساح المصرية أمام الابداع العربي، الحديث والمعاصر... بل هي خير دليل على الدور النموذجي الذي باتت تؤديه القاهرة عبر مصالحة الجمهور مع الأدب أولاً ثم مصالحة "الآداب" العربية بعضها مع بعض. وبات الكثيرون من الأدباء العرب يحلمون في إصدار أعمالهم ضمن هذه الطبعات الشعبية التي تحرّر أدبهم من عزلته النخبوية أو الأدبية. وكنا نحن - كقراء أو مثقفين - ننتظر أن يُكافأ المشرفون على مثل هذه المبادرات التي تشجع على القراءة وعلى نشر الكتاب وتعميم الأدب والفكر. ولكن عوض أن يُكافأ هؤلاء ها إن بعضهم يُلاحق وتكال لهم التهم جزافاً ويخضعون للاستجواب الطويل والمرهق. أما أكثر ما يخيف فهو "آلية" التحريف والاقتطاع والابتسار والاجتزاء التي لجأ إليها أولئك الذين يجيدون الاصطياد في الماء العكر... وهي آلية خطرة جداً وسلبية جداً ويستحيل تخيّل الضرر الفادح الذي يمكنها أن تلحقه ليس بالثقافة والفكر والأدب فقط، بل بالتراث أيضاً. ف"الآلية" هذه قادرة على زعزعة أسس بكاملها وثوابت بكاملها وحقائق بكاملها، تبعاً لعشوائيتها المقصودة وعمائها المدمّر وتزييفها المستشري. وكم يؤلم فعلاً أن يصف أحد الكتّاب المصريين ما يحصل الآن في القاهرة ب"الحرب الأهية"... لكنها طبعاً حرب أهلية ثقافية بين جماعة متنوّرة تدافع عن الحق والحرية وجماعة ظلامية ترفض الاخر وترمي الفتن وتدعو الى القتل بغية تحقيق أهداف سياسية واضحة. لكنها "حرب أهلية" ثقافية عربية وليست مصرية فقط... إنها حرب الثقافة العربية ضد الجهل العربي والتطرّف العربي والعماء العربي...