Nathalie Lucas Frژdژric Lenoir. Sectes: Mensonges et Ideaux. النِحَل: أكاذيب ومُثُل. Bayard, Paris. 1999. 334 Pages. قد تكون الثقافة العربية الاسلامية أغنى الثقافات التاريخية بعلم الملل والنحل. فمن ابن حزم الى الشهرستاني حملت عشرات من المصنفات العربية عنوان "الملل والنحل" توكيداً على التعدد المذهبي الهائل في الحضارة العربية الاسلامية نفسها كما لدى الأمم الحضارية المجاورة. والمساحة الدلالية التي تغطيها "نحلة" بالعربية واسعة فعلاً. فهي تطلق على الأديان المختلفة، كما على الفرق داخل الدين الواحد، كما على البدع والهرطقات وعلى جملة المذاهب الاعتقادية بما فيها المدارس الفلسفية. وهذا التوسع الدلالي أول عقبة تعترض الاستعمال الحديث للكلمة عندما نطلقها على الجماعات الدينية المعاصرة كما أعلنت عن نفسها بصخب اواخر القرن العشرين. ومنها نحلة جبل الكرمل الأميركية التي قضى مئة من أعضائها طعمة للنيران في 1993 بعد حصار دام سبعة أسابيع في احدى مزارع ضاحية مدينة فاكو في تكساس. ومنها أيضاً "جماعة هيكل الشمس" التي انتحر العشرات من أفرادها في سويسراوكندا اواخر 1994 استباقاً منهم لنهاية العالم الوشيكة. وقد تكرر مشهد الجثث المحروقة أو المنخولة بالرصاص في فرنسا في اواخر 1995. وفي ذلك العام نفسه أقدم أفراد من جماعة "أوم" اليابانية على سفح أكياس من محلول كيمياوي حاوٍ على غاز السارات القاتل في الطابق الأرضي من مترو طوكيو. وفي ربيع 1997 تناول 39 عضواً من نحلة "بوابة السماء" سماً مميتاً ليلتحقوا بمذنّب هال بوب الذي تخيلوه مركبة فضائية تنقلهم الى العالم الآخر، كما أوقع الجنون الانتحاري الجماعي لنحلة "هيكل الشمس" خمس ضحايا جدداً في كندا. ولا شك ان وسائل الإعلام الحديثة، النهمة الى كل جديد وغريب، أسهمت في تضخم ظاهرة النحل ونشر عدواها وتحويلها وباء نفسيا أمميا قادرا على اختراق حصانة المجتمعات مهما تكن درجة اختلافها في التطور الاجتماعي والهوية الثقافية. ولكن بصرف النظر عن هذا التضخم الإعلامي، الذي يمكن الى حد ما ان يفسر الانتشار في المكان، فإن ظاهرة النحل، التي تأخذ أكثر فأكثر بعداً كونياً، تثير سؤالاً يتصل بالزمان: فلو كنا نعيش في القرون الوسطى، في نهاية الألفية الأولى، لكان من الممكن ان نفهم بسهولة ظاهرة النحل التي تكاد تكون بالتعريف ظاهرة قروسطية. أما في زمان حداثة الحداثة الذي هو زماننا، وتحديداً في هذا العام الانتقالي من الألفية الثانية الى الألفية الثالثة، فإن ظاهرة النحل تضعنا أمام مفارقة، بل أمام مفارقة مزدوجة. فتلك الظاهرة، المفروض بها ان تعود سوسيولوجياً وكرونولوجياً الى القرون الوسطى، هي أولاً إفراز حديث للحداثة. وهي ثانياً تعبير عن قصور ومرض في الحداثة نفسها. وبالفعل، ان الحداثة، التي قامت في احدى ركائزها الأساسية على حرية الاعتقاد، هي التي أتاحت لظاهرة النحل امكانية التجدد. ذلك أن أهم ما يميز النحل عن الأديان المؤسسة هو أنها تقوم على الاقتناع الشخصي. ففي الأديان المؤسسة يولد الولد على دين والديه، ويرث عنهما عقيدتهما الدينية بالامتصاص المباشر من دون ان يتدخل عامل الاقتناع الشخصي - إذا تدخل - إلا في طور لاحق وبعد اكتمال التكوين العقلي. أما النحل فلا مدخل الى عضويتها إلا عن طريق انتزاع الاقتناع الشخصي. وصحيح أنها غالباً ما تلجأ الى عملية غسل دماغ حقيقية للاعضاء المنتسبين اليها، لكن هذا يتم بعد ان يكونوا قد عبّروا بصورة فردية عن رغبتهم في الانتماء. وصحيح أيضاً ان النحل تؤسس نفسها في كنائس بديلة، لكن هذا يجري بعد أن يكون الاعضاء المنتسبون اليها قد فكوا، بمحض إرادتهم ارتباطهم بالكنائس أو بالمذاهب الدينية التي كانوا ينتمون اليها بصورة تلقائية، وبعامل الوراثة والتربية. وبديهي أنه لو لم تقر الحداثة مبدأ حرية الضمير وتعطي الانسان الحق في تغيير عقيدته الدينية، لارتطمت النحل من البداية بحائط مسدود. ولا شك ان النحل نفسها لا تؤمن، داخل جدران كنائسها، بحرية الضمير. فهي لا تمنح أعضاءها حق الارتداد عنها، وتمارس في سبيل ذلك ضروباً شتى من الضغط النفسي، وحتى من التهديد المادي. فتكتيكها يقوم على التسلل من ثغرة حرية الضمير التي تفتحها أمامها الحداثة، لكن الهدف الاستراتيجي الذي تضعه لنفسها هو سد هذه الثغرة على أعضائها متى ما باتوا داخل أسوار حرمها. فحرية الدخول هي وحدها المباحة، لا حرية الخروج. وهذا بالتحديد ما يجعل من النحل قلعة مضادة للحداثة داخل الحداثة. ولكن كيف تتمكن النحل من انتزاع الاقتناع الشخصي للأفراد المرشحين للدخول في عضويتها؟ ان مؤلفي هذا الكتاب، المتخصصين في علم اجتماع النحل، يؤكدان ان الآلية هنا واحدة مهما تعددت النحل وتنوعت رؤاها الاعتقادية. وهذه الآلية معروفة ومختبرة من قبل جميع مؤسسي الدعوات الدينية عبر التاريخ. وهي، بإيجاز، آلية ثلاثية الأطوار: ففي طور أول يجري تأثيم العالم القائم والتنبيه على شروره ومفاسده وصولاً الى "تكفيره". وفي طور ثانٍ، يتم التبشير أو الانذار بوشكان قيام الساعة ونهاية العالم. وفي طور ثالث، يلوح بالأمل بالخلاص من الكارثة الكونية لقلة من المصطفين الذين سيلبون دعوة الداعي، فيكتب لهم الخلاص. بيد ان أكثر ما يميز النحل الحديثة عن الدعوات الدينية القديمة هو استغلالها المنجزات العلمية للحداثة لتخلط الدين بالعلم ولتصوغ رؤى طوباوية أقرب ما تكون الى أدب الخيال العلمي Science-Fiction منها الى الرؤى الدينية التقليدية المتمحورة حول ثنائية الجحيم والنعيم في العالم الآخر. فالنحلة "الرائيلية" على سبيل المثال، وهي نحلة أسسها عام 1973 البلجيكي كلود فوريلون وصار لها اتباع في نحو من 90 بلداً في العالم، تعيد تفسير جميع الرموز الدينية في التوراة والأناجيل تفسيراً "علمياً". فعندها ان صوت النبي يونس كان في حقيقة الأمر غواصة ذرية، وأن نجمة بيت لحم التي هدت الملوك المجوس الى مهد يسوع كانت عبارة عن صحن طائر، وان سفينة نوح لم تكن في الواقع إلا محطة فضائية وضعها "الايلوهيم" في مدار حول الأرض بعد تحميلها بخلايا حية، مذكرة ومؤنثة، من كل جنس ونوع حفاظاً على الجنس البشري والحيواني من الهلاك في أتون الصواريخ النووية التي أطلقها "الايلوهيم" أنفسهم على الأرض، بعد أن ساءهم ما عمّ فيها من فساد. أما هؤلاء "الايلوهيم" فهم عند مؤسس النحلة "الرائيلية" ليسوا آلهة السماء كما جاء ذكرهم في التوراة، بل سكان الكواكب الأخرى. و"رائيل"، وهو اللقب الذي أطلقه مؤسس النحلة على نفسه، هو بدوره اسم توراتي ومعناه "المخلص". والخلاص هو الميثولوجيا المحورية للنحلة الرائيلية كما لسائر النحل. فالاسلاف القدامى ما كان يتوافر لهم النضج العلمي ليدركوا أن الخلاص هو في متاح البشر فعلاً، ولكن ليس لجميعهم. فوحدهم أصحاب العبقرية والذكاء العالي مرشحون للنجاة. وعددهم لا يمكن بحال ان يزيد على مئة وخمسين ألفاً. ويوم ستضم النحلة الرائيلية مثل هذا العدد فستكون الأرض قد دخلت عصرها الذهبي. وهؤلاء، بقيادة رائيل نفسه، سيقيمون على الأرض حكومة جديدة هي "حكومة العباقرة" بدلاً من ديموقراطية الاغبياء الراهنة التي هي حكومة العدد الأكبر من الأغبياء الذين يدمرون الارض. ولا يعسر علينا ان ندرك أن مثل هذه الخزعبلات الميثولوجية هي مصيدة للسذّج ولأموالهم معاً. ولكن عندما ندرك أن عدد النحل في العالم اليوم يناهز الثلاثة آلاف، مثلما يناهز عدد أعضائها العشرة ملايين، فإنه لا يعود يخامرنا ريب أيضاً في أن للنحل وظيفة أخرى غير اصطياد السريعي التصديق من البشر. فالنحل ليست محض ضرب من الشعوذة الاجتماعية، بل هي أدخل في باب علم الاجتماع الديني. وانتشارها لا يمثل عودة للمكبوت الديني في زمن "القلق في الحضارة" على حد ما افترض بعض السوسيولوجيين بالتبعية لماكس فيبر، بقدر ما يمثل على العكس تلبية كاذبة للجوع الى الروحانية في سياق الحداثة التي استبعدت الروحي من المجال العام لتحصره بالمجال الخاص. وخلافاً لما قد يتبادر الى الذهن للوهلة الأولى فإن الزبائن الاجتماعيين للنحل لا يتواجدون بين الفئات الاجتماعية المتضررة من الحداثة أو المستبعدة من امتيازاتها بسبب الفقر أو البطالة، بل على العكس، وفي الغالب لدى الشرائح الاجتماعية الأكثر اندماجاً بالحداثة الثقافية. فأكثر زبائن النحل هم من الجامعيين وحملة الدبلومات ممن يتقنون في الغالب فن التعامل مع الحاسوب. وبعبارة أخرى ان النحل تمارس نشاطها اللاعقلاني في نقاط المركز من العقلانية الحديثة، وليس في هامشها أو بالقطيعة معها. وهذا بالتحديد ما يجعل كفاح الحكومات ضد النحل في غاية الصعوبة. فالحداثة التي وضعت كل رهانها على العلم، لم تخلق ما فيه الكفاية من القيم الروحية البديلة. وباستغنائها عن خدمات المؤسسة الدينية أنشأت للعاطفة الدينية نوعاً من سوبرماركت. وقد عرفت النحل كيف تغزو هذا السوبرماركت وتغرقه ببضائعها المزيفة. وسياسة القبضة الحديد لا تجدي. فحيثما استؤصلت شأفة نحلة عاودت نحلة أخرى النبت محلها. ومؤلفا هذا الكتاب، على نزعتهما العلمية التي لا تقبل المساومة، لا يريان من حل على المدى الطويل، وبعيداً عن سياسة القمع اللاديموقراطية، لمسألة النحل سوى إعادة الحداثة التفكير في الروحانية كبعد وجودي للانسان. فكما كان يقال ان الحرب قضية أخطر من أن تترك في أيدي العسكريين، كذلك فإن قضية الروح أخطر من أن تترك في أيدي المشعوذين.