كان مسرح الستينات في مصر يحمل آمالاً كباراً، وكانت اسماء المسرحيات تعكس القضايا الجادة التي يناقشها المسرح .. وكان كتاب هذا المسرح اساتذة في فن الكتابة المسرحية، وقد رصد أحد النقاد - بحق - أن غروب شمس الحرية عن الصحف في هذه الفترة قد دفعت المسرح الى أن يصير هو اداة التعبير الأولى عن الحرية، ومن ثم ولد هذا الزخم المسرحي. أين نحن الآن من هذا المسرح؟ لن أقف على اطلال مسرح الستينات جرياً على عادة الشعراء العرب القدامى في الوقوف على اطلال الراحلين من عشاقهم، لن أفعل هذا. كل ما أريده هو ملاحظة عدة اشياء.. منها مثلاً ملاحظة الفرق بين اسماء المسرحيات القديمة الجادة، والمسرحيات الجديدة الهزلية، واسماء المؤلفين السابقين ومؤلفي اليوم.. أيضاً من المهم أن نعثر على السبب المفجر للضحك في معظم المسرحيات الآن. كانت مسرحيات الستينات تحمل الاسماء الآتية: بلدي يا بلدي - الفراشة - كوبري الناموس - الناس اللي فوق والناس اللي تحت - سكة السلامة - الحسين شهيداً. وكان من مؤلفي هذه الفترة دكتور رشاد رشدي والشاعر عبدالرحمن الشرقاوي والكاتب المسرحي سعد الدين وهبة والفريد فرج وغيرهم من الكتاب ذوي الثقل، والذين يؤمنون بأن دور المسرح في المجتمع لا يقل أهمية عن دور المدرسة والمستشفى، إن المدرسة هي مصدر الوعي، بينما المستشفى هو العلاج والتطهير. لنتأمل بنظرة سريعة اسماء المسرحيات المعلن عنها في نصف صفحة من الجريدة: - مولد سيد المرعب. - ازعرينا كلمة عامية مصرية تعني ضجة هائلة بلا مبرر - عشا العميان. - أنا ومراتي ومونيكا. لاحظ الايحاءات الجنسية. - الواد ضبش .. عامل لبش. ضبش كلمة عامية مصرية تعني أنه لا يرى جيداً، وهو اقرب الى العميان فيه للمبصرين، أما كلمة لبش فتعني المشاكل النابعة من شخصية ليست سوية أصلاً. - شقاوة. ونلاحظ مع هذه الاسماء المثيرة أن معظم هذه المسرحيات تضم أغاني راقصة او رقصات غنائية. وليس هناك اعتراض على الاغاني او الرقص في المسرح، إذا كان هذا جزءاً من نسيج المسرحية، وليس مقحماً على النص الأصلي وموجوداً لجذب السائحين العرب والعاملين المصريين بالخارج وإغرائهم لدخول هذا المسرح. ماذا عن السبب المفجر للضحك اليوم؟. كان الموقف المضحك هو السبب المفجر للضحك في الفودفيل الفرنسي وكوميديا الموقف عموماً. وكان هذا قائماً وموجوداً بوضوح في كوميديات نجيب الريحاني التي كان الضحك يولد فيها من الموقف المتطور. أما اليوم، فقد استسهل كتاب الكوميديا أن يكون الجنس هو السبب المفجر للضحك في أغلب المسرحيات أو في جزئها الأكبر. ولقد حدثني صديق بأنه صحب زوجته وبناته لشهود مسرحية، ولكنه اضطر ان يقوم في الفصل الثاني بعد أن تجاوز الممثلون فيها كل الخطوط الحمراء. والمعروف أن الكوميديا أنواع، وكذلك الضحك أنواع وألوان مختلفة. هناك الضحك الراقي، وهناك الضحك الغليظ، وهناك الضحك النابع من الموقف، وهناك الضحك الذي يؤلفه الممثل الكوميدي ويسميه الإفيه، وهناك من ممثلي الكوميديا من يفخر بأنه فجر ثلاثين إفيهاً في المسرحية أو اربعين. وهذا الخروج على النص لإضحاك الناس مسألة لا يعرفها المسرح الكوميدي المحترم. صحيح أن المسرح الكوميدي له هدف رئيسي هو تسلية الناس وإضحاكهم ولكن هذا لا يعني أن يستعين المؤلفون بالإسفاف لضمان بيع تذاكر الشباك. ولو على جثة الفضيلة.