قد تشهد مدينة كورنوول جنوب غرب بريطانيا، كسوف الشمس هذا الصيف. شرط إن يكون الجوّ صاحياً. وكان آخر كسوف شهده البريطانيون صيف عام 1927، ولن يشهدوا كسوفاً آخر قبل العام 2090. إلا أن آلاف السياح الذين حجزوا مقاعدهم تحت سماء تلك المدينة، لن يعودوا خائبين تماماً في حال امتلاء السماء بالغيوم "الحاجبة". إذ يمكنهم أن يروا الكسوف يوم الحادي عشر من آب أغسطس في مكان آخر في المدينة نفسها. وهو معرض تشكيلي تقيمه "تيت غاليري" سانت إيف. إضافة الى تقنيات الغاليري من أعمال فنانين شهيرين، كانوا استلهموا الحدث في العقود الماضية. ومن مظاهره التي تستهوي الفنانين، ظهور الليل في غير موعده، أثناء النهار، عندما يخترق ضوء معدني رمادي اللون السماء التي كانت زرقاء للتوّ. ومن أعمال المشاهير، لوحات زيتية للفنانين البريطانيين تيرنر وويسلر، وكلاهما كان قدم دراسات لونية تستوحي تأثير الضوء على الماء. يتجلى ذلك في لوحة "شروق الشمس"، ولوحة "زورق بين الجزر" وقد أنجزهما تيرنر ما بين 1840 و1845. ثم لوحة "الليل في الأسود والذهبي: عجلة النار" عام 1875، التي رسمها ويسلر قرب بيته في لندن وهي واحدة من لوحات رسمها مستوحياً لمنظر النهر في الليل. وهناك أيضاً أعمال طباعة للفنانة باربرا هيبوورث، تبين مراحل كسوف مختلف للشمس والقمر. ثم لوحة زيتية للفنان فيكتور باسمور بعنوان "الأزرق والذهبي: الكسوف عام 1950. وقد منح هذا العنوان لقسم بأكمله اشتمل على أعمال زيتية لفنانين آخرين، أمثال بن نيكلسون، جون تانارد، ألفريد ماليس، سيسيل كولينز وآخرين. وفي المعرض الآخر المعنون: "عتمة الضوء" شارك ثلاثة فنانين معاصرين من العالم - جميعهم من مواليد الخمسينيات - وثلاثة فنانين آخرين محليين. الفنانة اليابانية يوكو شيرايشي تعيش في لندن حالياً، وقد درجت منذ أوائل التسعينيات على استخدام موضوعة الكسوف كاستعارة في أعمالها. من مساهماتها المعروضة، عمل تركيبي يتوزع على مستويين في قاعة العرض، تظهر في الجزء الأول لوحات ذات ثلاثة أبعاد من قماش الكنفا، تتناقص أو تتزايد في الأحجام. وفي المستوى الثاني سلسلة من الأعمال الزيتية ذات أطياف من اللون الأزرق، كصدى للون البحر، وأنشأت الفنانة شيرايشي في هذه التركيبة نظاماً من الوحدات والأشكال، مستخدمة الألوان لخلق نماذج دقيقة من الضوء والفراغ. الفنان جيا إدزج فيرادزا، وهو من أصل جيورجي ويعيش ويعمل في المانيا، قدم مساهمتين هما عبارة عن عملين تركيبيين، موزعين على فضاءين مختلفين داخل الصالة، استخدم الفنان خامات طبيعية، تناوباً مع الرسم الزيتي وأشرطة الفيديو. ويسعى الفنان الجيورجي في عمله هذا، الى سبر موضوعة العتمة والضوء، من خلال تشكيلة معقدة من الرموز والمراجع. والضوء موضوعة متكررة لدى إدزج فيرادزا، الذي يعتمد على مفهوم الصراع بين الإحباط الإنساني وفكرة الخلاص، وتعكس أعماله في الوقت نفسه استيعاب التاريخ، انطلاقاً من الدين واللغة في الاتحاد السوفييتي سابقاً. الفنان البريطاني غاري فيبيان ميللر، يقع الأستوديو الخاص به تحت موقع الكسوف الشمسي مباشرة. وهو متأثر بفكرة الضوء كأساس لكل الوجود، وقد أنجز عمله الأخير المعروض في "تيت غاليري سان إيف" داخل غرفة معتمة، حيث مصدر الضوء يتخلل برجاً زجاجياً مملوءاً جزئياً بالزيت. البرج موضوع فوق ورق خاص بالتصوير. وعندما يمر الضوء متفاعلاً مع الزيت، تتكون أشكال مختلفة ويتم تحميضها من بعد. وكانت النتيجة تصوير دوائر من اللون تنتج عنها هالة تشبه تلك التي تحدث في الكسوف الفعلي. أما الفنانات المحليات فيستجبن للمناسبة بأساليب أخرى، ترتكز على تيار الفن الحديث السائد في بريطانيا الآن، وعلى خامات مختلفة لا علاقة لها بخامات الفن التقليدية، كالألوان والقماش. هارييت بيل مثلاً، تعكس في مساهمتها مشاعر الخوف من العتمة التي تتسلل أثناء نهار الكسوف بحسب التعليق المرفق. وعملها الذي يتابع مراحل الكسوف المختلفة، يعتمد أساساً على ترتيب المخلفات الناتجة عن النشاط البشري، والتي التقطتها من مبنى الغاليري نفسه!.. في المقابل، تعتمد أماندا لورينز على الفيديو والصوت والضوء، لإنشاء عمل تركيبي. فمنذ دخول الزائر الغرفة المخصصة، تواجهه أصوات من الطبيعة: طيور وحشرات وأشجار. ويتوازى علو الصوت وانخفاضه مع دائرة من الضوء. وفي مركز الغرفة، وضع الفنانة عشباً اصطناعياً تعلوه شاشة تعرض صورة معدة بالفيديو لزهرة تفتح أوراقها وتغلقها، وفق إيقاع الموسيقى المصاحبة لها. في النهاية نصل الى مساهمة تاسمين بيندر، التي أنشأت موقعاً خاصة بعملها التركيبي على شرفة الغاليري، لتطلّ على أفق السماء والبحر والشاطىء القريب. وتستخدم الفنانة سلسلة من المعدات التي تستخدم في الصيد والملاحة، كالخيوط والحبال والصنارات. وفي هذه الطريقة تترجم بيندر مفهومها لشمولية الكسوف، كخيط كامد يُسحب بسرعة حول وجه الأرض!..