ان التأييد الشعبي المنقطع النظير الذي لم تحظ بمثله أية حكومة باكستانية على مدار نصف القرن المنصرم، وهو تاريخ الدولة الباكستانية، كسبته حكومة نواز شريف لاقدامها على اجراء التجارب النووية في الثامن والعشرين من شهر ايار مايو الماضي رداً على التجارب النووية الهندية. ومع ذلك فان حكومة نواز شريف لم تستثمر هذا التفويض والتأييد الشعبيين بشكل علمي وجيد اذ راحت تخوض في رمال متحركة وزئبقية تتناوشها الخلافات العرقية والحزبية والفئوية ما أضرّ بالسمعة التي كسبتها خلال هذه التفجيرات، كما اتهمت بترقية المصلحة الحزبية الضيقة على حساب المصلحة القومية العليا، وبدأت المماحكات الحزبية تلوح في الأفق مهددة بتقويض الحكومة. الحكومة الباكستانية فتحت جبهات وجروحاً عميقة لا تقوى عليها أية حكومات باكستانية مهما كان حجم التفويض الذي تتلقاه ما لم تبلور تأييداً قومياً وشعبياً قبل الاقدام على أية خطوة من هذا القبيل. لقد طرحت الحكومة الخارجة بنشوة النصر من التجارب النووية الاخيرة فكرة بناء سد "كالاباغ دام". ومع ان شريف أكد على بناء السد، الا انه ربط ذلك بموافقة الاقاليم الاخرى. ومعلوم ان باكستان تتشكل من أربعة اقاليم وهي دولة فيدرالية، وربطه هذا يتناقض مع الطرح الأول. وكان ان أبدت الأقاليم الثلاثة رفضها الكامل لفكرة بناء السد الذي سيعود بالفائدة فقط على اقليم البنجاب مسقط رأس نواز شريف، وهو متهم بأنه يحظى بالقدح المعلى في كل التركيبة السياسية والعسكرية بعد ان تراجع دور اقليم سرحد البشتوني وعاصمته بيشاور في الحياة السياسية والعسكرية حين كان الجهاد الافغاني على أشده، اذ ان اغلبية المجاهدين الافغان من البشتون الذين يتشاطرون عرقاً واحداً مع البشتون في اقليم سرحد. الاقاليم الباكستانية الثلاثة التي رفضت فكرة بناء السد تعتقد بأن ذلك سيسبب تشريد ملايين من الاقاليم التابعة لها، في حين انه سيعود بالفائدة على اقليم البنجاب فقط. وتقول مصادر هذه الاقاليم ان تراجع الحكومة في مسألة حجم المياه التي سيختزنها السد يشير الى ضعف الدراسات وعجز الحكومة عن تحديد، وبدقة، حجم الاضرار التي ستنجم عن بناء مثل هذه السدود. كما فتح نواز شريف النار على المعارضة خصوصاً زعيمة حزب الشعب الباكستاني بي نظير بوتو وآخرين بشأن المحاسبة، في حين انه يغض الطرف عن اعضاء حزب الرابطة الاسلامية الحاكم بقيادته. وواصل شريف فتح النار على الاقطاعيين الذين سيطروا على الأراضي خلال فترة الاحتلال البريطاني من دون وجه حق حين كان الانكليز يسيطرون على المنطقة، والكل ينتظر منذ تلك الفترة التوزيع العادل لمثل هذه الثروة القومية. وتزامن هذا كله مع انفجار الوضع مجدداً في مدينة كراتشي عاصمة اقليم السند التي تعد العاصمة المالية والاقتصادية للبلاد، فقد راح ضحية موجات العنف والعنف المضاد خلال السنوات الثلاث الماضية ما لا يقل عن أربعة الاف ضحية. واتخذت اعمال العنف في الفترة الاخيرة اشكالاً متعددة تمثلت في قتل اعضاء البرلمان والاعتداء على عناصر الشرطة الى جانب صراعات بين الاجنحة المتنازعة في حركة المهاجرين القومية. ولا بد للحكومات الباكستانية ان تقر اولاً بأن الازمة في كراتشي متشعبة امنية وسياسية وعرقية واجتماعية، ولذلك عليها ان تواجه ذلك باطلاق حملة توعية للبحث عن حل جذري لهذه الازمة قبل استفحالها واستشرائها. ولا شك في ان الوضع المتفجر على الساحة الكشميرية، واستمرار سباق التسلح في المنطقة بعد اعلان الهند عن تركيب رؤوس نووية على غواصات اشترتها اخيراً من فرنسا، اضافة للتعاون النووي والتقني بين اسرائيل والهند... كل ذلك يقلق الدولة الباكستانية. لذا فان جزءاً كبيراً من الموازنة الباكستانية تلتهمها البنية العسكرية من اجل مواجهة التهديدات الهندية المتزايدة. ويشكل هذا كله عامل ضغط على باكستان كون اقتصادها ضعيفاً لا يقوى على الصمود امام هذا النوع من سباق التسلح الخطير في المنطقة. ومن المعتقد بأن تقديم الدول الخليجية مساعدات لباكستان سيخفف من الاحتقان الباكستاني ويحلحل الازمات التي تتعرض لها اسلام اباد. وتواجه حكومة نواز شريف فوق هذا كله تحالفات حزبية مثل سيف مسلط على رأسها، وتهددها بالخروج من السطة. وهذا الوضع سيجعل شريف يصرف الكثير من وقته للتعاطي مع الازمة على حساب قضايا ومصالح استراتيجية تهدد البلد. ويرى كثير من المحللين ان شريف لا يقوى على الصمود امام هذا الوضع المستجد الذي تعيشه البلاد، ربما للمرة الأولى في تاريخها. وهكذا لا بد من حكومة قومية تضم اغلبية الاحزاب للخروج من الوضع الصعب الذي تعيشه البلاد، اذ في مثل هذه المراحل الحساسة من تاريخ الشعوب والبلاد يصبح من الضروري وجود اجماع شعبي حول الحكومة حتى تتجمع الجهود لمواجهة التهديد الخارجي. وبالتأكيد فإن هذا الامر لا ينفي المطالبة بالمحاسبة او معالجة قضايا حساسة تعانيها البلاد، ولكن لا بد من سياسة التعامل مع الأولويات وعدم فتح كل الجبهات لأن من يقاتل على كل الجبهات يخسر الكل ويندم.