يبدو ان الأردن في طريقه الى التعاون، بما فيه العسكري، مع تركيا واسرائيل، واللافت ان كل ذلك يأتي فيما يجري التركيز على حل الخلافات السورية - الاردنية وعقد قمة عربية موسعة او مصغّرة. لماذا كل هذا التحول الدراماتيكي؟ ما اسبابه ودوافعه؟ سامي شورش يجيب: كان العاهل الأردني واضحاً في خطابه، حين اشار قبل حوالى اسبوع الى ان بلاده عازمة على التعاون مع اسرائيل وتركيا. ولم يكن المراقب في حاجة الى تدقيق كثير في اسباب ذلك الاعلان وتوقيته وظروفه. فكلام الملك حسين جاء بعد ان تراجعت فكرة عقد القمة العربية، ما ألحق ضربة مؤلمة بآماله في انتعاش تضامن عربي متين، يمكن ان يساعده على مواجهة اوضاعه الداخلية والاقليمية المعقدة من جهة، وعلى لعب دور اقوى في معالجة المشكلات الناشئة على مسارات السلام العربي - الاسرائيلي من جهة ثانية. والواضح ان الأردن يتعرض منذ سنوات الى مشكلات عاصفة بحكم موقعة الجيوبوليتيكي. فمن جهة تسيء سياسات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو وإصراره على التهرب من الالتزام بالسلام والاتفاقيات الموقعة، كثيراً لأوضاعه. ومن جهة ثانية تعكس الاوضاع الفلسطينية المتردية بفعل مواقف الحكومة الاسرائيلية، تعقيدات غير قليلة على موقفه. ومن جهة ثالثة ترتب مشكلة العراق واستمرارها على ما هي عليه، من دون اشارة دالّة الى قرب انتهاء مأساته، ثقلاً كبيراً على حالته الاقتصادية والسياسية. كل تلك المعطيات تؤذي الأردن على الصعيدين الداخلي والاقليمي كما لا تؤذي اية دولة عربية اخرى. فتزايد الحوادث الاجرامية وانفجار اعمال الشغب في المدن وتردي الوضعية الاقتصادية وتنامي حركات التطرف الديني والقومي هي في مجملها انعكاسات مرشحة للتفاقم وتهديد استقراره السياسي. وهذا يصحّ خصوصاً حين لا تبادر الدول العربية، وعلى الخصوص تلك التي تعرف بدول الطوق وفي مقدمها سورية، الى تقدير دور الأردن وموقعه ومساعدته على تذليل المصاعب وتمكينه من لعب دوره العربي الأساسي، من دون شروط تعجيزية قد تساهم في مضاعفة تعقيداته وإلحاق ضربة قاصمة بكل ما جرى بناؤه من سلام يتفق الجميع تقريباً، على ان عدوه الأول هو رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو. صحيح ان الأردن هو المعني الأول بمساعدة نفسه، لكن ذلك لا يتم الا عبر التناغم مع دول الطوق العربي. فالمشاكل التي يعاني منها هي من صنع يديه، لكن من الاجحاف القفز عن كل ما فعله وتحمله الأردنيون لا في خصوص مساعدة انفسهم فحسب، بل في معاضدة الموقف العربي وتقوية مواقع اقدامه على الساحتين الدولية والاقليمية ايضاً. كذلك من الاجحاف عدم تقدير خصوصيات الأردن وظروفه الذاتية التي تحتم عليه، كما على بقية الدول العربية، انتهاج سياسة مميزة في بعض سماتها، الا انها عربية متناغمة مع الموقف السلمي العربي في محتواها العام. فالأردن لم يذهب في اتفاقيته الموقعة مع الاسرائيليين يوم 26 تشرين الأول اكتوبر 1994 ابعد مما ذهبت اليه مصر والسلطة الفلسطينية والعديد من الدول العربية. وفي خصوص تعاونه مع تركيا، التي يرتبط معها منذ عقود طويلة بعلاقات طبيعية، فإنه فضّل ان يبقي التعاون في حدوده الاعتيادية، كأية دولة عربية اخرى، مخافة ان يفسر تطويره - عن خطأ - بأنه اضرار بمصالح سورية، خاصة لجهة ارتباط انقرة مع تل أبيب باتفاقية للتعاون العسكري. واللافت ان مسؤوليه حرصوا على ان تتعدى مشاركة بلادهم في المناورة البحرية التي اجرتها تركيا واسرائيل مطلع العام الحالي، حدود ضابط واحد بصفة مراقب. وفي المقابل، لم تتوان القيادة الأردنية وفي مقدمها الملك حسين، عن الدعوة وبشكل متواصل الى تنقية الاجواء العربية وتمتين التضامن العربي، حتى اذا تطلب ذلك حواراً اميركياً عراقياً مباشراً. والحرص على التشاور بين المسؤولين العرب، ان في قمم موسعة او مصغرة، او في محادثات ثنائية. والتأكيد كذلك على انقاذ العملية السلمية من ازمتها الراهنة واحترام الرأي الفلسطيني والاتفاقيات الموقعة وشجب سياسات اسرائيل غير السلمية، بما فيها الاستيطان وتغيير معالم القدس وأعمالها القمعية والعدوانية بحق الفلسطينيين وأهالي جنوبلبنان. وهذا كله اضافة الى ممارسة الضغوط المباشرة عن طريق الرسائل والاتصالات والاجتماعات المتكررة مع الاسرائيليين، او غير المباشرة عن طريق واشنطن ولندن، لاقناع نتانياهو بالتخلي عن نهجه الضار بأمن المنطقة وسلامها واستقرارها، والعودة الى احياء المفاوضات العربية - الاسرائيلية على اساس المبادئ المتفق عليها بما فيها مبدأ الأرض مقابل السلام والانسحاب من الأراضي الفلسطينية حسب منطوق اتفقاية اوسلو. وكان واضحاً، ان الأردن بسياسته المتوازنة تلك، لم يكن يبغي مساعدة نفسه فحسب. بل اراد، في الوقت عينه، مساعدة الموقف العربي وتأكيد الرغبة الصادقة في سلام عادل شامل وثابت. لكن تبدو الصورة، الآن، وكأن العاهل الأردني اصبح يشعر بمرارة عميقة من عدم تفهم ظروفه وتقدير دوره على صعيد بعض الدول العربية، خصوصاً سورية. فعلى رغم الجهود الحميدة التي بذلها ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز، مؤخراً، لرأب الصدع بين الموقفين السوري والأردني، لم يقتنع السوريون على ما يبدو بالغاء شرطهم القاضي بوقف التطبيع الأردني - الاسرائيلي ثمناً لمشاركتهم في القمة العربية المقترحة والتي تحظى بموافقة عربية واسعة. ورغم ان السعوديين حريصون على تعبئة موقف عربي موحد في وجه المخاطر المنبعثة من الانتكاسة التي تعيشها العملية السلمية في الشرق الأوسط، وميّالون للاستمرار في جهودهم انطلاقاً من قناعتهم بأن اسرائيل هي الجهة المستفيدة من استمرار الخلافات العربية وعدم انعقاد قمة عاجلة، الا انه من المشكوك فيه ان تكون الحال ملائمة لرأب سريع للتصدع في الصفوف العربية. ويمكن للأردنيين الذين يتحملون، اسوة بباقي الشعوب العربية، اثقال السلام وتعقيداته كما تحملوا معهم في الماضي اعباء الحروب العربية - الاسرائيلية، ان يحاجّوا بأنه في حال غياب الأمل بعودة التضامن الى العالم العربي، والاصرار من قبل البعض على زرع الشكوك في علاقاتهم العربية، والعمل على تحميلهم ما لا يتحملونه بغرض فرض عزلة عربية عليهم، فإن الخيار المتاح امامهم لا يتجاوز، في احسن احواله، تمتين تعاونهم مع تركيا واسرائيل من جهة، ومحاولة اقناع الادارة الاميركية بإقامة حوار مباشر مع القيادة العراقية من جهة ثانية. فالأوضاع الأردنية، على صعيد الداخل صعبة ومعقدة ولا تتحمل مزيداً من الضغوط التي لا مبرر لها من وجهة نظر المسؤولين الاردنيين. كما ان الاوضاع على صعيدها العربي ليست على ما يرام، ولا يمكن ان تتحمل شرخاً آخر. وخلاصة القول انه يمكن للأردن ان يطور تعاونه مع تركيا واسرائيل رغم انه لم يكن في وارد ذلك التطوير الى يوم تأكده من تراجع امكانية عقد القمة التي كان من الممكن لها ان تتولى معالجة الخلافات العربية. والأكيد في ذلك التحول المفاجئ ان القيادة الأردنية شعرت، من خلال موقف دمشق، بمحاولة للاستفراد بها وتعريضها الى ضغوط ومشكلات اقليمية وداخلية جديدة، ما جعلها مصممة، ولو على عجل، على تلمس مخرج من الدائرة التي يراد حصرها فيها، وإن مرّ عبر تركيا وإسرائيل. هل يمكن للأردن ان ينضم الى الحلف الاسرائيلي - التركي؟ قد نجد في المستقبل القريب شكلاً سطحياً من التعاون. لكن من المستبعد حصول اتفاق استراتيجي. فالأردن دولة عربية تشعر بالتزام سياسي وأخلاقي تجاه محيطها العربي. وأوضاعها الداخلية لا يمكن ان تسمح بهضم اي قرار في ذلك الصدد. لكن مجرد اشارة العاهل الأردني الى الموضوع، توحي بشيء ينبغي عدم تجاهله، وذلك هو التحوط من مزالق الاستهانة بدور عمّان وموقعها وتضحياتها. وأهمية التعاطي معها كما يتم التعاطي مع القاهرة والفلسطينيين