تنفس معظم اللاعبين والمتفرجين الصعداء حينما توصل كوفي انان الى مذكرة التفاهم مع العراق، وارتاحوا اكثر حينما حولها مجلس الامن الى قرار جديد برقم 1154 باجماع الآراء من دون ان يقوم "الفيتو الاميركي" المعتاد بإبطاله بالسكتة القلبية، لأن استخدام "الفيتو" أصبح من أسس السياسة الاميركية وهي تمارس "الهيمنة" في نظام عالمي ذي قطب واحد. اذ عودتنا واشنطن على ممارسة هذه السياسة بقبضتين: القبضة السياسية لفرض شرعية دولية انتقائية عن طريق "الفيتو" في مجلس الامن والقبضة العسكرية عن طريق حشد قواتها الجوية والبحرية والبرية في أماكن الأزمات، وبالذات في النقط الساخنة. والنقط الساخنة في عرف الولاياتالمتحدة وهي تمارس استراتيجية القوة هي الازمات التي تؤثر تأثيراً مباشراً وخطيراً في اغراضها ومصالحها، وقد تخرج عن سيطرتها اذا لم تتعامل معها، الامر الذي يدفعها الى التدخل بثقل لفرض أغراضها التي لا تتصف بالضرورة بالعدالة أو العدل في اطار القانون الدولي او بقواعد الاخلاق لأن الاهم هو فرضها ولو على حساب الآخرين. وعلى سبيل المثال موقفها من الازمات الافريقية الدامية التي تفرقع في نقاط مختلفة في القارة، وهو يتسم بالإعراض عن التدخل المباشر لانهاء ازمات تحت السيطرة عن بُعد لأن عناصر هذه الازمات هم اصدقاء يأكلون بعضهم بعضاً. لذلك فإن الأسلم لها هو ان تكتفي بإدارتها الازمات وهي خارج الملعب بعدما احترقت اصابعها في الصومال. وكذلك الحال حينما ثبتت ايران اقدامها في الجزر العربية الثلاث، تحت سمع وبصر حشودها في الخليج عقب توقف النيران بعد عملية "عاصفة الصحراء" من دون ان تحرك ساكناً، رغم ان الجزر هي ملك لأحد حلفائها. ذلك لأن الازمة تحت السيطرة ولأنها لا تعتبر تصرفات اعداء اصدقائها تهديداً لها ولا لمصالحها فهي لا تقوّم الازمات بموازين العداوة والصداقة ولكن تقوّمها بموازين المصلحة فقط من دون اعتبارات اخرى. وابتلعت الولاياتالمتحدة قرار مجلس الامن 1154 بصعوبة ظاهرة. وعدم رضائها الكامل عنه لا يرجع فقط الى عدم الرغبة في ان تسير الامور كما سارت سواء تحت ضغط رسمي من كثير من الدول المعنية او تحت ضغط الرأي العام العالمي والاقليمي والداخلي، ولكنه يرجع ايضاً الى عدم القدرة على تنفيذ عملية "رعد الصحراء" بالمستوى الذي كانت تريده، كذلك بسبب العقبات المتصاعدة التي واجهتها بمرور الوقت والمرونة الكاملة التي اتبعتها بغداد وهي تشرب كؤوس السم مجبرة لتفويت الفرصة على الذئب. وعلينا ان نتنبه الى ان خطورة الذئب تصل الى اقصاها اذا جُرح وسال دمه خصوصاً اذا ظهر للعالم ضعف القوة وقوة الضعف للدرجة التي شبه فيها البعض الرئيس كلينتون وهو يدير الازمة، في تردد وضعف، بموقف جوزيف تشمبرلين رئيس وزراء بريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية الذي ظهر به امام ادولف هتلر في ميونيخ وما اعطاه من تنازلات أدت الى الحرب. ولكي نفهم تماماً اسلوب تحرك الادارة الاميركية بين الخط الاحمر الذي لا يجوز تخطيه اثناء تنفيذ القرار الاخير لمجلس الامن وبين الضوء الاخضر الذي يُعطى للحشد الاميركي - البريطاني لإطلاق النيران وبداية تنفيذ عملية "رعد الصحراء"، لا بد ان ندرك بأن مفهوم العدو - Agressor بعد تحلل الاتحاد السوفياتي وتراجع الشيوعية بفعل "بيروسترويكا" ميخائيل غورباتشوف تغيّر واصبح يحدد داخل اطار استراتيجية "الهيمنة - Hegemony" التي تحاول واشنطن فرضها، وان وسيلتها لإدراك ذلك ليست وسائل سياسية وودر ويلسون الذي كان يؤمن بالقانون الدولي وينادي بعالم يعتمد في ممارسة السياسة على الفضائل والربط بين المبادىء والاخلاق، وان تقدم الولاياتالمتحدة نفسها الى العالم كمنارة يهتدي بها الآخرون. ولكنها سياسة تعتمد في جوهرها على مبادئ تيودور روزفلت الذي نادى بفرض السلام عن طريق القوة وان المبادئ الاخلاقية هي مجرد وهم لأن القوة هي التي تفرض المبادئ اذ لا يمكن لهذه ان تبني القوة، وليست الولاياتالمتحدة نبياً يتعامل مع انبياء وانما يحتم عليها ان تتعامل مع العالم كما هو بمصالحه المتضاربة. فاذا كان على الولاياتالمتحدة ان تختار بين سياسة الحليب والمياه وبين سياسة الحديد والدواء فعليها ان تختار السياسة الاخيرة لمصلحة السلام العالمي. وبهذا المفهوم تمارس ادارة الرئيس كلينتون سياستها في عالم أحادي الاقطاب بعد نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي. واصبحت قوتها، وقد تخففت من قيود منافسة العدو الآخر، وسيلة تفوق الوسائل الاخرى وتسبقها لفرض ما تريد على الآخرين، بخاصة اذا كانوا من دول العالم الثالث او الثاني، فهم جميعاً في نظرها وحوش ومن المستحيل عليها التعامل معها جميعاً في وقت واحد فعليها ان تختار وحش من بينها ووقع اختيارها علينا في منطقتنا غير المستقرة خصوصاً ان البعض منا يعطيها المبررات. ومن المدهش ان هذا لم يمنع الرئيس كلينتون من ان يوجه كلمة الى الاممالمتحدة في 27/9/93 تحت عنوان "مواجهة التحديات في عالم اوسع" نقتطف منها ما يأتي: "في عصر جديد من الخوف وانتهاز الفرص يصبح هدفنا الاسمى توسيع وتقوية الديموقراطيات التي تعتمد على حرية السوق، ففي اثناء الحرب الباردة ركّزنا على احتواء التهديدات التي تُوجه إلى المؤسسات الحرة، اما الآن فإننا نسعى الى توسيع دائرة الامم التي تعيش في ظل هذه المؤسسات، ونتطلع الى اليوم الذي يتحقق فيه لكل فرد في العالم ان يعبر عن معتقداته وطاقاته في عالم تتعاون فيه الديموقراطيات الحقيقية مع بعضها وتعيش في سلام". وسبق هذا الكلام الجميل خطاب ألقاه الرئيس جورج بوش في اجتماع الاممالمتحدة في 1/10/1990م عنوانه "هيئة الامم: البرلمان العالمي للسلام" نقتطف منه الآتي: "اننا بعدما تخطينا مرحلة الحرب الباردة نتوق الى مشاركة تعتمد على المشورة والتعاون والعمل الجماعي من خلال المنظمات العالمية والاقليمية، مشاركة اساسها القانون والمبادىء، وتهدف الى تعزيز الديموقراطية والرفاهية والسلام وتُحد من التسليح!". والمفارقة بين الكلام المعسول والتطبيق الأهوج واضحة لا تحتاج الى تعليق. في هذا المناخ علينا ان نقرر بأن صدور القرار 1154 ليس معناه نزع فتائل الازمة وان الانفجار يمكن ان يحدث في أي وقت، وأن الزلزال محتمل الوقوع بما يترتب عليه من توابع لا يمكن حصرها. وحتى لا نُتهم بأننا وضعنا العربة امام الحصان علينا ان نناقش قضيتين رئيسيتين: القضية الاولى تتعلق بمن يضيء الضوء الاخضر لتحرك الحشود الاميركية والبريطانية في منطقة الخليج وحولها لتنفيذ عملية "رعد الصحراء"؟ والقضية الثانية تتعلق بمن سيحدد تجاوز اللاعبين الخطوط الحمر التي حددها القرار 1154؟ بخصوص القضية الاولى المتعلقة بإضاءة الضوء الاخضر يلاحظ ان اعضاء مجلس الامن لم يتفقوا على ذلك وقد دارت المناقشات حول كلمات تبدو لفظية في ظاهرها ولكنها دقيقة وبالغة الاهمية في حقيقة الامر، تدل على حقيقة النيات. فهل يتحمل النظام العراقي - اذا لم يستجب لقرار مجلس الامن وينفذه - "عواقب وخيمة" ام "عواقب وخيمة جداً" أم "أوخم العواقب" وانتهى المجلس الى إقرار التعبير الاخير ولكن ماذا يعني هذا التعبير؟ هنا ظهرت خلافات تدل على حقيقة النيات ايضاً، اذ فسرته الولاياتالمتحدة بأنه يعني انها اصبحت الدولة الآمرة لاستخدام القوة ضد العراق وساندتها بريطانيا في ذلك لجهة ان "اوخم العواقب" تعني اللجوء الى استخدام القوة العسكرية لأنها هي الوسيلة الاخيرة والحاسمة التي تجبر الطرف الآخر على تنفيذ ما يجب عليه تنفيذه. فاستخدام القوة العسكرية في السياسة هو مثل استخدام العملة النقدية في السوق التجارية، يتم عن طريقها البيع والشراء والمكسب والخسائر، ولذلك تحتاج بداية العمليات لتنفيذ خطة "رعد الصحراء" الى مناقشة الموضوع مرة اخرى في مجلس الامن تمهيداً لإصدار امر بفتح النيران، الا ان روسيا والصين وفرنسا اعترضت على هذا التفسير مؤكدة حق مجلس الامن في مناقشة ما يستجد من امور خصوصاً تلك التي تدعو الى استخدام القوة. ووجد كوفي انان نفسه محشوراً في مأزق وكأنه "الشاطر والمشطور وبينهما طازج" كأحد تعبيرات مجمع اللغة العربية الشهيرة، فصرّح بأنه اذا حدث هذا الموقف "فقد لا تكون هناك فرصة اخرى لجولة ديبلوماسية". ولكن تصريحاً مفاجئاً اعلنه الناطق الرسمي باسم البيت الابيض هدأ من حرب التصريحات هذه "فالولاياتالمتحدة توافق على التشاور مع بقية اعضاء مجلس الامن قبل توجيه ضربة عسكرية الى العراق في حال انتهاكه الاتفاق وربما تتصرف بمفردها". ولا شك ان هذا التصريح يعد تراجعاً من الرئيس كلينتون الذي كان يقع تحت ضغطين، أحدهما رفض غالبية اعضاء مجلس الامن لتفسيراته الخاصة بتعبير "أوخم العواقب" وكذلك لضغوط اعضاء من الكونغرس وعلى رأسهم زعماء مجلس الشيوخ الذين اتهموه بأنه سلّم المصالح الاميركية الى كوفي انان. ولكن هذا التراجع غُلّف بالغموض لتحقيق الردع بالظن. ولعلنا لاحظنا ان هذا التراجع استغرق وقتاً حتى تم وأنه مجرد تراجع في التصريحات، ولكنه ليس تراجعاً بالافعال، اذ لا تزال الحشود موجودة في اماكنها، ومعنى ذلك هو ان الفتائل لم تُنزع بعد، فالتصريح لا يوجه الضربة وانما القوات هي التي تفعل ذلك. ولعلنا لاحظنا ايضاً ان الاتفاقات الدولية تتسم دائماً بالغموض، إما لتغطية تراجع محتمل، او لدعوة الاطراف المعينة للحوار او لإخفاء النيات. ولكن اي التبريرات لهذا الغموض أكثر احتمالاً؟ من المسؤول بالضبط عن إشعال الضوء الاخضر في ظل غرور القوة وفي ظل الرغبة في الهيمنة وفي ظل تطبيق الشرعية الدولية الانتقائية؟ ربما نصل الى إجابة نطمئن اليها عندما نبحث القضية الثانية التي تتعلق بمسؤولية من الذي يحدد تجاوز اللاعبين الخطوط الحمر التي حددها القرار 1154 بغموضه الذي يذكرنا بالقرار 242 للعام 1967 والذي مر عليه اكثر من 30 عاماً من دون ان يتم الاتفاق على ما يعنيه تماماً، علماً بأن الخلاف قائم بفعل حرفين من حروف الهجاء هما "ال" التعريف، فإذا اضيفا اصبح الامر يتعلق بالانسحاب من كل الاراضي واذا حذفنا اصبح الامر يتعلق بالانسحاب من جزء منها. وهكذا تؤدي ممارسة السياسة من دون قوة لكي تصبح مصائر الشعوب متوقفة على مجرد حرفين من حروف الهجاء.