يعرف قراء العربية، خصوصاً في لندن، كتاب "شيعة العراق" الذي صدر عام 1997 عن دار المدى في دمشق، بعد ثلاث سنوات على نشره بالانكليزية من دار برنستون. أما ظروف اختياره وترجمته فيمكن ايجازها كالآتي: في 12 أيار مايو 1994 تلقيت رسالة من الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط BRISMES موقعة باسم الدكتورة كريستين وودهيد، تسألني ان كنت مستعداً للاطلاع على كتاب "شيعة العراق" لمؤلفه اسحق نقاش وإبداء الرأي فيه إن أمكن لقسم عروض الكتب. ويبدو ان الاكاديمي بيتر سلكليت وراء اقتراح تكليفي بالقراءة، لمعرفته بانشغالي في قضايا الفكر الديني والحركات الدينية في العراق، وهكذا كان. قرأت الكتاب، ودُهشت لأمرين: الأول منهجه الاستشراقي الذي يرى إلى شعوبنا سديماً من طوائف صوانية مغلقة. والثاني نتائج البحث التجريبي التي تبرهن ان شيعة العراق يتميزون عن غيرهم إيران مثلاً، وأنهم يتمايزون داخلياً في العراق ذاته. وكان هذا التفارق بين المنهج وبين نتائج البحث مثار عجبي واعجابي، إذ يكشف ان الباحث متى استسلم إلى الوقائع الملموسة، غادر القفص الميثودولوجي المسبق. كتبت هذا الرأي المفعم بثنوية المنهج/ النتائج وأرسلته إلى المجلة المذكورة، فتلقيت رسالة ثانية في 10 تشرين الثاني نوفمبر 1994 موقعة من كريستين وودهيد ترجوني اختصار مقالتي من 1147 كلمة إلى 750 كلمة. عمدت إلى الاختصار مضحياً بفقرات نقد المنهج، ونشر العرض في العدد الرقم 2، المجلد 21، سنة 1994. وصودف بداية عام 1995 ان طلبت مني دار المدى ترشيح أهم 15 كتاباً مما قرأت في مجال العلوم الاجتماعية، فأدرجت قائمة ضمن عناوين بينها: هوبزبادم الأمم والقوميات منذ الثورة الفرنسية، ارنست جيلنر الأمم والقومية، بنذكن اندرسون الجماعة المتخيلة، سامي زبيدة الإسلام: الدولة والمجتمع، كالينيكوس نقد ما بعد الحداثة، إضافة إلى مؤلفين آخرين هابرماس، مور، سكوتشبول وغيرهم. وكان ضمن القائمة كتاب "شيعة العراق" لإسحق نقاش. كان أصحاب هذه الكتب، في نظري، مختصين في حقولهم، فيهم الانثروبولوجي والسوسيولوجي، والمؤرخ والفيلسوف. ولم أكترث، كثيراً أو قليلاً، بانتماءاتهم، فذاك ليبرالي، وذاك ماركسي، وغيره وسطي، كما لم اكترث بانحدارهم الاثني أو الديني، بين بريطاني/ ألماني، وتشيخي/ فرنسي، والماني أصلي، أو بروتستانتي قح، أو يهودي أميركي، أو مسلم علماني. وافقت الدار بشخص مديرها الصديق فخري كريم على القائمة المذكورة، وطلبت أن أسهم بترشيح مترجمين لبعضها. فاتحت زميلي عبدالإله النعيمي كي يترجم كتاب نقاش أثناء اقامته المحفوفة بالقلق في براغ، فأتم الترجمة. ثم ان مدير دار النشر، انطلاقاً من الثقة الشخصية دفع النص إلى المطبعة فوراً معتمداً تقييمي الشخصي. جرى ذلك كله في إطار أكاديمي ومهني صرف. حتى لحظة نزول الكتاب إلى الأسواق لم يقرأه أحد عداي سوى المترجم، والمراجع، مفكرنا الراحل هادي العلوي، الذي اعترض على منهجية المؤلف اعتراضاً شديداً بعد قراءته النص، مما بدد حماسته الأولى، بل اثار حفيظته. بعد اتمام الطباعة، اتضح ان دار الساقي كانت تعتزم ترجمته ونشره بالعربية. ومن المصادفات أنها اتصلت بالمترجم نفسه، فأثيرت مسألة حقوق النشر. عند هذا الحد طلب إلى مدير دار المدى، السيد فخري كريم، ان أجد وسيلة لضمان هذه الحقوق للطبعة العربية، فاتصلت بالمؤلف، وكان ذلك أول عهدي به، طالباً جهوده الحميدة مع الناشر الأميركي، وهكذا كان. أثار الكتاب ردود أفعال متوقعة بين الاستحسان، أو القبول النقدي، أو الرفض. وفي ودي قول كلمة عمّن رفض الكتاب والكاتب. يقع معارضو الكتاب في صنفين أساسيين، الأول ينطلق من نظرة قومية ترى إلى الأمم كيانات ناجزة، وان بحث مكوناتها دون القومية، أياً كانت، هو دعوة إلى التجزئة مرفوضة، وفي أحيان مثيرة للشبهات. أما الثاني فينطلق من منهجية ماركسية متزمتة ترى إلى الأمم والمجتمعات من موشور الطبقات ككتل وكيانات فاعلة لا يجوز تقسيم الأمم مفهومياً إلى سواها. إلى الأول ينتمي ما كتبه علاء اللاحي، وإلى الثاني ينتمي ما كتبه الراحل هادي العلوي. هناك آخرون انتقدوا الكتاب من وجهة دقة الوقائع المتعلقة بأسرة الزعيم الديني المعروف محمد الخالصي انظر "القدس العربي" - 28 آذار/ مارس 1997، و25 نيسان/ ابريل 1997. كنت اعتزم نشر تقويم مسهب للكتاب قبل صدور ردود الأفعال هذه، وقد ارجأت ذلك مراراً، حتى نشرت على صفحات "الحياة" 9 حزيران/ يونيو 1997 مقالاً بعنوان: "تعيينات الولاء الحائرة في القبلية والطائفة والأمة". في هذا المقال انتقدت مناهج النظر إلى الجماعات الثقافية والاثنية المكونة للدولة القومية. وكانت ملاحظاتي السريعة عن المنهج، والتي أدرك مغزاها الكثيرون، تنتقد مفهوم الأمم المكتملة، أو مفهوم الطبقات الحديثة، مثلما تنتقد مفهوم اللاأمم، أي سديم الطوائف. الشق الأول موجه إلى نقاد كتاب نقاش. والشق الثاني موجه إلى نقاش نفسه. وعليه فإن ملاحظاتي المنشورة في "الحياة" هي رد على مناهج وليس على انتماءات سياسية أو استراتيجيات ايديولوجية لا تعنيني من قريب أو بعيد. وأشرت في المقال إلى مساهمات كتاب آخرين غير نقاش في هذه القضية منهم حسن العلوي الصحافي والكاتب المعروف وعبدالله النفيسي الذي سبق الجميع بدراسته الاكاديمية لشيعة العراق، وكيت كلارك في اطروحة ماجستير عميقة، وقلت عنهم جميعاً إنهم يتناولون القضية "بدرجات متفاوتة من العمق". وكنت، وما أزال اخالفهم جميعاً وأقول بأن المجتمع العراقي مجتمع انتقالي تذوب فيه الجماعات، وتتأسس فيه تكوينات حديثة. وصدمت أخيراً لدى اطلاعي على مقالة المؤلف اسحق نقاش المنشورة في عدد "الحياة" 13 أيلول سبتمبر 1998. فالسيد نقاش يوحي لقرائه ان وراء اختيار كتابه رهانات سياسية وايديولوجية، عراقية، وشرق أوسطية، وما لا أدريه من توافقات. لقد كان اختيار الكتاب عملية ثقافية صرفاً، تتعلق بفرد أو فردين، لم يجدا، خلال ذلك، أياً من القوى السياسية والاقليمية ليجلسا معها أو يتباحثا وإياها في أمر كتاب وكاتب، أو أن يربطا الكتاب ب "القاءات سلام" تجري في دهاليز ديبلوماسية معتمة، بمعزل عنا جميعاً. حقاً ان المرء بحاجة إلى تحليقات خيال من نوع خاص لمجرد ان يتصور ذلك. وبحدود علمي، فإن قواعد الأحزاب واتباع القيادات السياسية لا يقرأون. وان قيادات الأحزاب والبلدان تقرأ أقل من قواعدها. ويفيدني مقال اسحق نقاش المنشور في "الحياة" أمراً واحداً: ان الكاتب آخر من يصلح للحديث عن كتابه. * كاتب عراقي مقيم في لندن.