يقولون في مصر «مش راكبة» ويقولون في لبنان «مش زابطة»، وما لا «يركب» أو «يزبط» هو السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فقد كانت حروب جورج بوش الابن مكتب تجنيد للإرهابيين في بلاد العرب والمسلمين، وجاء باراك أوباما صاحب النوايا الحسنة واليدين المكبلتين، فارتفعت شعبية أميركا في بلادنا على أساس النوايا وسقطت على أساس التجربة. قبل أسابيع أظهر استطلاع للرأي العام في باكستان أن 68 في المئة من الباكستانيين، أي نسبة قياسية، تعتبر الولاياتالمتحدة عدواً (أظهر استطلاع لمركز غالوب في أبو ظبي أن المسلمين الأميركيين هم الأكثر تسامحاً بين جميع الطوائف الأميركية والأكثر ولاء لبلادهم.) غير أن استطلاعاً تالياً أجرته شركة زغبي انترناشونال، مع تحليل من النشط العربي الأميركي البارز جيم زغبي، لفت انتباه كثيرين بنتائجه، فقد شمل أربعة آلاف مواطن في المغرب ومصر ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كانت شعبية الولاياتالمتحدة ارتفعت كثيراً إثر خطاب باراك أوباما في القاهرة في حزيران (يونيو) 2009 (وخطاب له في تركيا) بعد أن سقطت هذه الأرقام الى الأرض مع جورج بوش. غير أن الاستطلاع الجديد الذي سأل إذا كان العرب ينظرون إيجاباً الى السياسة الأميركية أظهر سقوط الأرقام من جديد الى مستوى إدارة بوش أو أقل، فكانت دون عشرة في المئة وخمسة في المئة فقط في مصر. بل إن الأرقام كانت أقل منها في الجواب عن السؤال نفسه بالنسبة الى إيران، باستثناء السعودية. مرة أخرى الرئيس أوباما يريد علاقات أفضل مع العرب والمسلمين، إلا أنه يواجه حرباً عليه داخل بلاده أشرس كثيراً من الحروب الخارجية، لأن عدو الداخل دائماً أخطر فهو يعرف مواقع الأذى. والجمهوريون الذين دمروا اقتصاد أميركا يرفضون أن يساعدوا الرئيس على العمل معاً للنهوض بالاقتصاد لأنهم يريدون أن يحمّلوه شخصياً مسؤولية ما ارتكبوا. ثم هناك لوبي إسرائيل والميديا الليكودية ومواقع البحث المتطرفة التي يديرها المحافظون الجدد. في الحرب على لبنان في صيف 2006 أيد مجلس الشيوخ برفع الأيدي، أي بإجماع الحاضرين، العدوان الإسرائيلي، وأيده في مجلس النواب على ما أذكر أكثر من 400 نائب من أصل 435 نائباً، أي إجماع آخر. وفي اجتياح قطاع غزة قرب نهاية 2008 أيد مجلس النواب الأميركي قتل 1300 شخص، معظمهم من المدنيين، وتدمير القطاع على رؤوس أهله بغالبية 390 صوتاً مقابل خمسة أصوات، والآن صوّت مجلس النواب بغالبية 407 أصوات مقابل ستة فقط مطالباً الإدارة باستعمال نفوذها لمنع التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قيام دولة فلسطين المستقلة مع تهديد السلطة الوطنية الفلسطينية بوقف المساعدات للفلسطينيين إذا أصرت على التصويت. أبو مازن طمأنني في اتصال هاتفي على أنه لن يتراجع مهما كان الضغط، وهل أحتاج أن أذكّر القارئ بأن إسرائيل تعيش على حساب الولاياتالمتحدة حتى وهذه مفلسة. هل يمكن أن يشرح لي أحد السياسة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط؟ هم قالوا لحسني مبارك أن يستقيل ثم قالوا له أن يبقى، وعندما استقال تحت ضغط التظاهرات الشعبية، عادوا فغيروا موقفهم. ومعمر القذافي كارثة على ليبيا والعالم، وقد قتل في إرهابه أميركيين في سقوط طائرة الركاب لوكربي، ومع ذلك فالولاياتالمتحدة تراجعت عن استخدام القوة ضده وتركت المهمة لحلفائها في الناتو. والولاياتالمتحدة، على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، تنتقد الرئيس بشار الأسد وتهدده، وتقول إن الاستغناء عنه ممكن، إلا أنها لا تعرف البديل وليس لها اتصال بأكثر من بعض المنشقين الانتهازيين في واشنطن، وهم من نوع المؤتمر الوطني (اللاوطني) العراقي. وعلى سيرة العراق، هل ينسحب الأميركيون أو لا ينسحبون، وهل تبقى القوات الأميركية في أفغانستان حتى 2014، أو بعدها. وماذا عن مستقبل التعامل مع باكستان النووية حيث العلاقات الثنائية في الحضيض منذ قتل أسامة بن لادن. ولا أنسى اليمن حيث الشعب من دون ماء وكل إسهام أميركا غارات طائرات من دون طيار. والدور الأميركي في البحرين يقتصر على إعطاء محاضرات في الديموقراطية ولا يرى خطر التدخل الإيراني، وفي الصومال والقرن الأفريقي مجاعة ولا دور أميركياً من أي نوع، وإنما هناك تركيز على ما لم يوجد بعد في إيران ونسيان متعمد لترسانة نووية في إسرائيل، أو دولة عصابات الجريمة. السياسة الأميركية في الشرق الأوسط هي أن تنفق الولاياتالمتحدة ثلاثة بلايين دولار في اليوم على حروب خاسرة، وتقدم مساعدة قدرها 27 مليون دولار لمواجهة المجاعة في الصومال. هذه السياسة تعطي النتائج التي نراها في استطلاعات الرأي العام. [email protected]