وفاة الإعلامي عبدالكريم المقرن    فيتنام تحصد برونزية كأس آسيا تحت 23 بعد الفوز على كوريا الجنوبية    المكسيك تراجع إرسال النفط إلى كوبا خشية رد أميركي انتقامي    وزير الصناعة يجتمع مع قادة شركات عالمية    مدرب يونايتد يطالب بالحذر قبل مواجهة أرسنال    روسنير: بالمر سعيد للغاية في تشيلسي    «ميتا» توقف وصول المراهقين إلى شخصيات الذكاء الاصطناعي    السعودية تُعيد تشغيل أقسام الولادة والعمليات في عدد من مستشفيات غزة    القبض على (7) إثيوبيين في عسير لتهريبهم (105) كجم "قات"    الهجن السعودية تحصد 65% من ألقاب افتتاحية مهرجان خادم الحرمين للهجن    دوري يلو 18.. فوز أبها والدرعية.. والعلا يعود للمربع الذهبي    مظاهرات عدن القضية قبل الأشخاص    وزير الخارجية يلتقي وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية    الذهب يقفز إلى قمة جديدة عند 4976.59 دولار للأوقية    انطلاق الجولة الافتتاحية لبطولة القوارب الكهربائية السريعة "E1" في جدة    بدء أعمال السجل العقاري ل(122) قطعة عقارية في تبوك ومكة والشرقية    اختتام "كليجا بريدة" بحضور تجاوز 500 ألف زائر و 340 منفذًا للبيع والتسويق    مهرجان جازان 2026 يشهد مشاركة أكبر "كولد برو" في العالم    متحف اللوفر أبوظبي يُقدّم معرض "بيكاسو، تصوّر الشكل" - معرض بارز يستكشف تطوّر مسيرة الفنان في عالم الفن الحديث    إنماء الأسرية بفيفاء تكرّم الإعلاميين المشاركين في مبادرة الحوار الأسري ضمن مهرجان جازان 2026    جمعية الإعاقة السمعية بجازان تعقد جمعيتها العمومية        سيرة من ذاكرة جازان.. الأستاذ سلطان موسى المنقري    إمام المسجد الحرام: تحصين الشباب مسؤولية كبرى وحسن الصحبة حصن من الانحراف    أمطار مصحوبة بزخات من البرد مع رياح نشطة    تحديد مدة غياب ديميرال عن الأهلي    اللهجة العامية في المتاحف السعودية    الخيال والابتكار    فن صناعة الحضور المقنع    أحياء ميتون    نزول البروتين بالبول سام للكلى    غيرة أم الزوج.. كيف تُدار العلاقة دون خسائر أسرية    تدخل طبي دقيق يرفع كفاءة بصر امرأة تجاوز عمرها «100» عام من «5%» إلى 100%    حين تسبق الوقاية المرض    السيولة والائتمان محركات للأسواق السعودية الأسبوع المقبل    السعودية ثاني أكبر مصدر للصكوك عالميا    نائب أمير مكة يؤدي صلاة الميت على فيصل بن تركي بن فيصل آل سعود    نائب أمير منطقة مكة يستقبل القنصل العام لجمهورية ألمانيا    إطلاق 12 من الوعول والظباء بمتنزه السودة    دمشق: واشنطن تفضل الشراكة معنا لمحاربة داعش.. الجيش السوري يبسط سيطرته على مخيم الهول    نتنياهو يقبل دعوة ترمب للانضمام ل«مجلس السلام»    السعودية تدين التفجير الإرهابي في كابل    لجنة فنية لتذليل عقبات تنفيذ «الجسر البري»    السعودية تعزز الشراكات العالمية في «دافوس».. توطين الصناعات الواعدة وتقنيات الذكاء الاصطناعي    المنتدى السعودي للإعلام يستكشف الكنوز السعودية    أمير الرياض .. ولحظات مؤثرة    دافوس.. وذئب الدبلوماسية العالمية    الشهراني يحتفل بزفاف نجليه عبدالله وتركي    استقبل أئمة وخطباء المسجد الحرام.. نائب أمير مكة يطلع على استعدادات شؤون الحرمين لرمضان    «التخصصي» يحتفل بتخريج 379 طبيباً    أسرتا فايز والنجدي تتلقيان التعازي    أمير الشرقية ونائبه يعزيان التركي    5 دقائق من المشي يومياً تقلل خطر الوفاة    وزراء خارجية المملكة و7 دول يرحبون بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    المملكة تواسي باكستان في ضحايا حريق كراتشي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ستة عوامل ظاهرة ... وآخر مخفي!
نشر في الحياة يوم 18 - 04 - 2011

ما يكاد العالم يشهد أحداثاً عاصفة تخرج عن المألوف المعتاد في السياسة والاقتصاد والاجتماع، حتى يبدأ باحثون مختلفو الانتماءات الأيديولوجية تمريناتٍ فكريةً تهدف الى استخراج قواعد عامة يمكن على أساسها فهم الحاضر وتدبُّر شؤون الماضي واستشراف آفاق المستقبل. ويتم ذلك كله انطلاقاً من مسلَّمات فكرية نادراً ما يُقْدِم أحد على إعادة النظر فيها وتفكيكها وفق منظومات عقلية جديدة.
في أواسط تسعينات القرن الماضي، عندما كانت «نمور آسيا» تقفز خطوات متسارعة في النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، ظهرت آراء خجولة في بادئ الأمر، تعتبر أن الغرب (ويُقصد به أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية) دخل مرحلة التراجع التدريجي أمام الصعود الآسيوي على الأصعدة المختلفة، باستثناء العسكري منها. لكن هذه اليقينيات تراجعت مع انفجار «الفقاعة» الآسيوية، لأسباب اقتصادية متنوعة ليس هنا مجال الخوض التفصيلي فيها.
ولم يكن سهلاً على كبار المفكرين الغربيين القبول بأن شمس الغرب، التي ظلت ساطعة على مدى القرون الخمسة الماضية، يمكن أن تشرف على الأفول أمام قوى آسيوية لم يكد يمضي على خروجها من قيود الاستعمار سوى عشرات السنين، وبالتحديد في مرحلة المد التحرري الوطني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي كانت آسيا مسرحاً أساسياً لها وضحية كبرى لنتائجها الكارثية، خصوصاً اليابان بعد القنبلتين النوويتين الأميركيتين فوق هيروشيما وناغازاكي.
وكان الرد الغربي متنوعاً، غير أن مظهره الأبرز تمثل في الولايات المتحدة الأميركية، حيث روّج دعاة الهيمنة العالمية إلى أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً أميركياً بامتياز، نظراً الى القطبية الأحادية للولايات المتحدة بعد انفراط عقد الأنظمة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفياتي، ومن ثم دخول روسيا، الوريثة غير الشرعية للتجربة الاشتراكية، مرحلةَ التراجع والأفول بقيادة بوريس يلتسين.
لكن هذا المفهوم الاستعلائي المهيمِن لم يستمر طويلاً، بسبب اعتماد الولايات المتحدة القوة العسكرية الطاغية أداةً وحيدة في تثبيت أحاديتها. ويمكن إيراد مجموعة كبيرة من الأسباب التي عرقلت تمدد «القرن الأميركي» على مستوى العالم، غير أننا نكتفي بذكر أمثلة محددة، تبدأ بأفغانستان والعراق، مروراً بأميركا اللاتينية، وصولاً الى روسيا والصين، اللتين تمكنتا من تلمُّس طريق التوازن مع الولايات المتحدة، كل واحدة منهما على طريقتها الخاصة.
واليوم يعود المفكرون الغربيون للبحث في مؤشرات التراجع الغربي على مستوى العالم، فيعتقد بعضهم أن الولايات المتحدة (وهي النموذج الغربي الرأسمالي الأكثر اكتمالاً) دخلت بالفعل مرحلة التقهقر، ولم يعد بمقدورها ان تمارس قطبيتها المطلقة في العالم، بل بات من المحتم عليها أن تأخذ في اعتبارها مصالح قوى أخرى بارزة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. والملفت هنا، أن الأزمة الاقتصادية العالمية نزعت من أوروبا (سواء في الاتحاد الأوروبي أو الحلف الأطلسي) مجال المنافسة، وبالتالي إمكان سد الفراغ الذي قد ينشأ عن تراجع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يبقى هناك من يعتقد بأن مركزية الغرب في قيادة العالم، حتى في خضمّ أزماته المختلفة، هي حق مقدس ترسَّخَ خلال القرون الخمسة الماضية في سياق تطور تاريخي واجتماعي واقتصادي وثقافي واسع. المفكر نيال فيرغسون (الأسكتلندي الأصل والأميركي الإقامة حالياً) هو واحد من هؤلاء، وقد أصدر أخيراً كتاب «الحضارة: الغرب والآخرون»، الذي يعكس - كما يظهر من عنوانه – الرؤية الغربية الضيقة في النظر الى الحضارات الإنسانية على مر العصور. وفي هذا الكتاب، كما في الحلقات التلفزيونية التي رافقته، يحدد فيرغسون العوامل التالية التي كوّنت إكسير الحياة للحضارة الغربية المهيمنة على العالم كله منذ 500 سنة: المنافسة، العلوم الحديثة، حكم القانون وحق الملكية الفردية، الطب الحديث، المجتمع الاستهلاكي، وأخلاق العمل. وفي سياق حديثه، يقول إن اليابان كانت أول دولة آسيوية تتبنى هذه العوامل متكاملة، ولذلك انتقلت الى مصاف الحضارة الغربية السائدة.
في الكتاب أيضاً آراء إشكالية عدة تتعلق بنظرة فيرغسون الى الإسلام وأسباب صعود الإمبراطوريات الإسلامية وتدهورها. وهذه النظرات ليست موضوعنا الآن، وإنما نريد أن نناقش ما إذا كانت العوامل التي شكّلت «إكسير حياة» الحضارة الغربية هي وحدها المسؤولة عن صعود الغرب وهيمنته منذ القرن الخامس عشر، أي منذ عصر الاستكشافات الكبرى في القارة الأميركية وأفريقيا وأقاصي شرق آسيا.
لا يختلف اثنان في أن العوامل الستة التي استعرضها فيرغسون في كتابه لعبت دوراً حيوياً في تقدم الدول الغربية وارتقائها في مجالات العلوم المتنوعة، غير أن هذه العوامل وحدها لم تكن لتفسر خروج الغربيين الى العالم وافتتاح أقاليمه والسيطرة عليها واستباحة ثرواتها، بل لا بد من وجود عوامل أخرى انفرد بها الغربيون، أو على الأقل أبدعوا في استخدامها على أعلى المستويات، ما مكَّنهم من الهيمنة على العالم وإنشاء إمبراطوريات لم تكن لتغيب عنها الشمس، كما حدث في ظل الإمبراطورية البريطانية في ذروة توسعها الاستعماري.
العامل الأساسي، في رأينا، يكمن في البنية العقلية للغرب، التي تبرِّر وتقونِن وتشرِّع عمليات السيطرة والاستعباد والإبادة من دون أي وازع من ضمير أو دين. ونحن نعرف كيف أن رجال الدين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر (حتى في الحركات الإصلاحية الكبرى آنذاك) استخرجوا من التوراة والإنجيل ما يبرر لدولهم تجارة العبيد وإبادة الشعوب الأصلية في القارة الأميركية وأوقيانيا وأستراليا وغيرها من مكونات «العالم الجديد»، كما أطلقوا عليه يومها.
صحيح أن الغربيين عملوا وفق العوامل الستة، كما يذكر فيرغسون، لكن المنافسة والعلوم الحديثة والمجتمع الاستهلاكي... وَجدت تَمَظْهُرَها الأوضح في القوة العسكرية المدعومة والمعزَّزة بالعلوم الحديثة. وعندما لم تعد المنافسة في قلب القارة الأوروبية أو على تخومها تجلب المنافع المادية، انتقل الصراع التنافسي الى العالم الخارجي. وبات المجتمع الاستهلاكي الداخلي بحاجة ماسة الى السلع المتوافرة بكثرة في المناطق الإفريقية والآسيوية والأميركية المستعمَرة والمستعبَدة. وهكذا رسَّخت الحضارة الغربية سيطرتها المطلقة، لكن على حساب الشعوب المقهورة أحياناً، وعن طريق إبادة هذه الشعوب كلياً في أحيان أخرى.
وعندما يعطي فيرغسون مثال اليابان، بوصفها النموذج الآسيوي الذي تماهى مع الحضارة الغربية، فهو يصيب كبد الحقيقة، لأن اليابان سرعان ما وظفت نجاحها في امتلاك العوامل السابقة الذكر في حملات عسكرية استعمارية شملت معظم بلدان جنوب شرق آسيا، لا سيما الصين وكوريا، وتخللتها ارتكابات إنسانية فظيعة. وهذا التاريخ الدموي لا يزال يمنع حتى اليوم قيام علاقات طبيعية بين اليابان وجيرانها الآسيويين، على الرغم من الهزيمة الماحقة التي تعرضت لها في الحرب العالمية الثانية.
الغرب يبقى متقدماً علمياً وتقنياً، وإن كان يعاني اقتصادياً وسياسياً. أزمته الفعلية أنه لم يعد قادراً على استخدام القوة العسكرية المباشرة والمنفلتة من قيود القوانين الدولية بهدف فرض قيمه الذاتية على العالم. جورج بوش الابن جرّب ذلك في أفغانستان والعراق، فوصلت الولايات المتحدة الى المأزق الذي يجهد الرئيس الحالي باراك أوباما للخروج منه بأي ثمن كان. ومع أن الغرب يحتفظ في ترسانته بسلاح الهيمنة الاقتصادية واستغلال ثروات الدول النامية، غير أنه بات يواجه منافسة قوية من الصين والهند والبرازيل وعدد آخر من الدول الصاعدة خارج إطار المركزية الأوروبية التي شكلت صورة العالم خلال القرنين الماضيين على الأقل. ونحن نعتقد بأن التراجع الغربي سيتواصل بموازاة تمكُّن الدول الأخرى من التحكم بمصادر قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. أما إذا أخذنا «عوامل» فيرغسون في اعتبارنا، فالمخرج من هذا التدهور هو العودة الى السياسة الاستعمارية الماضية، لكن بحلة جديدة... ولا نظن بأن التاريخ الحاضر سيعيد نفسه!
* صحافي من أسرة «الحياة»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.