ما إن يهل شهر رمضان حتى تتبدل أحوال أهل تهامة على الساحل الغربي لليمن، فرمضان هناك يتميز بطعم خاص يتجلى أولاً في استعداد الناس لاستقباله بما يليق من طقوس وعادات دينية وحفاوة وتكريم. وتبدأ الاحتفالات بحلول شهر الصوم قبل يومين من إطلالته، إذ يتفنن أئمة المساجد ومؤذنوها بترديد الأناشيد والأدعية من المآذن والأربطة الصوفية، مرددين القصائد والأناشيد التي ترحب بالمناسبة. ومن النصوص المعروفة في هذا المجال: يا جزيل العطا مالنا غير بابك قبل كشف الغطا نجنا من عذابك بتبارك وعمّ وماتلي في كتابك جدلنا يا كريم يا الله بحسن الختام. وفي موازاة ذلك، تنهمك النساء في تنظيف المنازل وتزيينها وغسل الفرش وتغييرها، بخاصة في المدن وأشباه المدن مثل زبيد (تابعة لمحافظة الحديدة، كانت عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر) المعقل الأول للعلم والعلماء في اليمن عبر التاريخ الإسلامي، كما يقول كثر من الباحثين والمؤرخين. وعلى رغم تعدد فنون الاحتفال التهامي برمضان الذي يشمل الأكل والشرب والزيارات والإكثار من الصلاة والقيام والتهجد والاعتكافات، فإن عادة «الراتب القرآني الرمضاني» التي يتشارك فيها الناس في حلقات خاصة لتلاوة القرآن بكل جماعي، هي أبرز العادات وأكثرها خصوصية وعراقة وتميزاً. وعن خصائص الطقوس التي تلازم شهر رمضان في مناطق تهامة اليمن، يقول الباحث الأنثروبولوجي علوان الجيلاني ل «الحياة»: «تشهد مئات بل آلاف المنازل والمبارز (أماكن يلتقي فيها الناس وهي غير البيوت) حضرات الراتب القرآني التي تقام كل ليلة في مدن تهامة وقراها ويشارك فيها القراء والحفاظ ويحضرها العلماء والفقهاء والأدباء والوجهاء وعامة الناس. منازل ومبارز راتبها كل ليلة عشرة أجزاء وأخرى خمسة أجزاء، وغيرها ثلاثة أجزاء، وتتخلل القراءات تأملات وتفسيرات، إلى جانب تهليل جماعي مهيب، وتنتهي كل ليلة بدعاء ختم مختصر، يعقبه خروج الحادي إلى المساجد لأداء صلاة العشاء والتراويح عند العاشرة ليلاً، فيما يتم تخصيص ليالي الوتر من العشر الأواخر لحفلات ختم القرآن حيث تذبح الذبائح ويقرأ دعاء أبي حربة وهو أشهر أدعية ختم القرآن، ومعه خطبة لابن الجوزي. وتُنشد قصائد للبرعي وجابر رزق، بينما روائح البخور تعبق والتهليلات ترتفع في كل مكان». وعن تاريخ الراتب القرآني وبداياته يضيف الجيلاني: «يعود تاريخ الراتب القرآني الرمضاني في تهامة إلى قرون بعيدة، فقد حفلت كتب التاريخ بذكر طقوسه، ويذكر المؤرخون بكثافة عناية سلاطين الدولة الرسولية (626 – 858 ه/ 1229 – 1454 م) بالراتب القرآني. وكان الراتب الذي يُقرأ في الدار السلطاني غرب زبيد ثلاثاً وعشرين ختمة كل ليلة وكانوا يغدقون العطايا خلالها على العلماء والصلحاء والأدباء وعامة الناس». وفي سياق حديثه عن دور أربطة العلم وزواياه في تكريس طقوس الراتب القرآني، يلفت الجيلاني إلى أن زاوية الجبرتي في القرن الثامن الهجري كانت تتحول إلى تلاوة لا تنقطع، وكانت مجالسه في «رمضان عظيمة يجتمع لها جموع كثيرة من الفقراء وغيرهم، عليها جلالة وهيبة ونور، وللقلوب فيها أنس وحضور. يُقرأ في المجلس منها كل ليلة بنيف وعشرين ختمة على الشموع الكبيرة المصفوفة على الدانات والناس حولها. ثم يقومون إلى صلاة العشاء والتراويح، ويحضر أحسن أهل البلد صوتاً وقراءة ويأخذ كل منهم حصة التشفيع. ثم بعد صلاة التراويح يقرأون «يس»، ثم يقومون إلى الوتر، ثم يجتمعون بعد الوتر على قراءة «يس». ويحصل في غالب الأمر سماع شيء من مدح النبي صلى الله عليه وسلم». وتتميز تهامة أيضاً بإحياء الليلة اليوسفية في رمضان، وهي الليلة التي يبلغ فيها إمام التراويح «سورة يسن». وفي هذه الليلة يزور كل خاطب خطيبته ويقدم لها زهور الفل والكاذي مع حلوى الشراب و «المسمن» و«الزعافير» في جو احتفالي بهيج يشمل كل البيوت.