يبدو أن وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور محمد الرشيد لم يعد لديه من الأفكار ما يخشى عليه من ردود فعل اللوبي الشرس الذي مارس ضغوطاً رهيبة عليه إبان فترة وزارته. خرج الرشيد أخيراً عن صمته الطويل وموقفه المداهن أو «الديبلوماسي»، كما يحب البعض تسميته، ب«صيحة» مجلجلة لم تبقِ لغماً في المنطقة الفاصلة بينه وبين خصومه إلا فجرته، ولا غرابة في أن تأتي تلك الصيحة على شكل كتاب صادر من بيروت، فلطالما أعادت بيروت تصدير صيحاتنا لنا في أكوام ورقية نحتفظ بها في مكتباتنا ونسامرها بين الحين والآخر، لكن صيحة الوزير السابق مختلفة هذه المرة، إنها صيحة تنم عن ندم دفين على مواقف لم تسجل في الوقت المناسب، وهو ما جعل صوتها أعلى وأكثر ضجيجاً، على رغم عدم تأثيره. طوال سنوات وزارته كان الرشيد محافظاً بشكل مبالغ فيه على هدوء المنطقة الرمادية بينه وبين لوبي «الصحوة» في التعليم، كان يحاول شراء صمت وود ذلك اللوبي عن خطواته التطويرية بمنحه مزيداً من الصلاحيات، للدرجة التي غدت معها مفاصل الوزارة آنذاك في أيدي خصوم الوزير قبل أن ينقلبوا عليه ويرصدوا كل صغيرة وكبيرة ضده، كان خطأ الرشيد الأكبر في استراتيجيته الناعمة والثقة المفرطة التي ربما وصفت بأنها وليد شرعي للغرور بالإنجازات المتوقعة، وهي إنجازات لم يتحقق منها شيء في عهده، على رغم بساطتها الشديدة كتعليم اللغة الإنكليزية في المرحلة الابتدائية مثلاً. غادر الرشيد الوزارة وبين أحباله الصوتية رنين كلمات حبيسة انتظرت ستة أعوام قبل أن يدسها بين دفتي كتابه الصادر أخيراً بعنوان «المرأة المسلمة، بين إنصاف الدين وفهم المغالين»، ليس من المبالغة وصف تلك الكلمات بالقنابل «المنتهية الصلاحية»، الوقت خذلها، فالمثل الشعبي المضلل «في كل تأخيرة خيرة» لا يتماشى مع كل المواقف، كما يعتقد الكثيرون. استنكر الوزير في كتابه إلزام النساء بتغطية وجوههن، استنكر كذلك الفصل بين الرجال والنساء في قاعات التدريس والمحاضرات والندوات، شن هجمة غير متوقعة على محاربي الاختلاط، أعلن استياءه من سلوك أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمثل في مطالبتهم الرجل في الأماكن العامة بإبراز ما يثبت أن المرأة التي يصطحبها من محارمه، طالب بأن تُعلِم المرأة الطلاب حين تكون هي الأكثر فائدة وتأهيلاً في مجالها، وأن يُعلِم الرجل الطالبات حين يكون تخصصه لازماً لهن من دون خوف من أحد الطرفين على الآخر، طالب أيضاً بأن تتاح مزاولة النساء للمهن كلها، بما في ذلك البيع والشراء في المحال التجارية على العموم، نادى بضرورة أن تتاح قيادة المرأة لسيارتها، واصفاً ذلك بأنه أوفق للشرع من ركوبها مع سائق أجنبي. من يتذكر تصريحات الوزير الرشيد عندما كان يتجول بحقيبته الوزارية بين إدارات التعليم في مناطق المملكة «على رغم كل ما قيل عنه من خصومه» سيصعق حتماً بهذه الجرأة والصراحة والتحديد الدقيق للإشكاليات، وسيتساءل قطعاً عن سبب كل هذا التأخر في التشخيص... هل ما جاء في كتاب الرشيد «صحوة» وزير سابق أم «صيحة» وعي طال حبسه من دون مبرر؟! الأهم من هذا كله ما الدرس الذي تقدمه هذه الصيحة أو الصحوة على طبق من تجربة للمسؤولين الحاليين؟ أتمنى من كل قلبي ألا يكون إصدار كتب تعبر عن آرائهم الشخصية على شكل قنابل منتهية الصلاحية بعد سنوات من مغادرتهم مناصبهم، فقديماً قيل «السعيد من اتعظ بغيره». [email protected]