ورث العالم العربي اهتماماً بالثقافة والفنون عبر التاريخ، إذ كانت الحيرة مركزاً ثقافياً وعلمياً لافتاً، وملتقى لأدباء عرب ومستعربين في الجاهلية، وتورد كتب السير أن النعمان بن المنذر كان يجتمع بأدباء العرب في قصر «الخورنق» الشهير، ويقيم مهرجاناً أدبياً يسمى «المؤتمر» ما أحال الحيرة محجاً للأدباء والمثقفين والشعراء والمؤرخين. وشهدت حقبة السبعينات الميلادية من القرن الميلادي الماضي بروز عدد من الملتقيات الثقافية، منها مهرجان المربد في العراق،الذي انطلق في الأول من إبريل 1971 إحياء لسوق المربد الذي كان على غرار سوق عكاظ، مكاناً لإلقاء الشعر علاوة على التجارة، وبلغت دوراته 18 دورة حتى العام 2002، إلا أنه لم ينج من تأثير التوترات السياسية والحزبية ما ادخله بحسب متابعين دائرة الارتباك. فيما عرف المثقفون العرب مهرجان جرش الذي تأسس عام 1981، ولم يدم وهجه طويلاً، بل خفت ضوءه كثيراً عمّا كان عليه عند انطلاقه، ولم يعد يسكن الذاكرة من جرش سوى الحفلات الغنائية الموسمية، ليظل مهرجان أصيلة المغربي هو الأكثر تماسكاً وشهرة، على رغم تركيزه على فعاليات تجمع بين العربية والفرنكوفونية. وعبّر مثقفون ل«الحياة» عن طموحهم أن يصل «سوق عكاظ» إلى مستويات عالمية. لم يخف أمين عام مؤسسة الفكر العربي الدكتور سليمان عبدالمنعم إعجابه بمهرجان «سوق عكاظ»، واصفاً المناسبة ب«الجامعة بين فكرتي المنتدى الفكري والعرس الشعري والملتقى الثقافي والفني»، لافتاً إلى أن «سوق عكاظ مؤهل لصدارة المشهد العربي إقليمياً والمنافسة عالمياً، كونه ينطلق من رؤية واعية، وعمل خلاّق مشترك يجمع بين النخب والجماهيري»، مؤكداً على أهمية التصالح الثقافي بين الماضي والحاضر، ومطالباً بالمزيد من التواصل بين المبدعين والمثقفين العرب. من جانبه، أرجع الروائي الأردني جمال ناجي استحقاق «سوق عكاظ» الصدارة إلى توقف مهرجان جرش قبل حوالى ستة أعوام، مضيفاً أن مهرجان المربد «لم يعد فاعلاً ولا قادراً على المنافسة بسبب الظروف السياسية والأمنية في العراق»، مشيراً إلى أن المنافسة «قائمة بين مهرجان أصيلة وبين «سوق عكاظ»، لافتاً إلى أن العالم العربي «في حاجة ماسة إلى مهرجان شعري سنوي على درجة عالية من التنظيم والأداء، وهذه فرصة لمهرجان عكاظ». واشترط ناجي أن تكون مساحة الحرية واسعة في المهرجانات، حتى لا تتحول إلى مناسبات لتبادل العلاقات العامة والمدائح، معولاً على القراءة الدقيقة للخريطة الإبداعية العربية، «ما يمكّن لجان عكاظ من تلافي العلاقات المسوقة للرداءة، وفي ذلك خطوة إلى النجاح»، موضحاً أن الوصول بالمهرجانات الثقافية العربية إلى العالمية «يتطلب قدرة على الترويج الثقافي في العالم، وتشكيل وحدة خاصة لهذه الغاية»، مؤكداً أن الترويج «لا ينجح ولا يثمر إلا إذا استند إلى المعايير الانتقائية الصارمة»، مضيفاً أن الترجمة إلى لغات العالم «هي النافذة التي يمكن للأعمال الإبداعية العربية أن تنفد من خلالها إلى العالمية»، مبدياً سعادته «بخوض سوق عكاظ تجارب ترجمة وتسويق، ما يمكّن الكاتب والشاعر العربيين من تسويق نتاجهم الإبداعي، لافتاً إلى أن المعمول به اليوم ترجمة الأعمال الأجنبية إلى العربية، «في ظل الحاجة الماسة إلى ترجمة الأعمال العربية إلى لغات العالم الحية». فيما يرى الناشر العراقي رواء الجصاني أن الفعاليات الثقافية بشكل عام، عنوان عافية، ومؤشر نهوض للبلد والمجتمع، وإن تعددت الأهداف، لافتاً إلى أن فكرة إحياء «سوق عكاظ» حضارية ولها دلالاتها، متطلعاً إلى أن تحقق تجربة عكاظ النجاح المؤمل والمتحقق، داعياً إلى تأمين متطلبات ديمومة التجربة وليس انطلاقتها فقط، بشكل يبتعد عن التكرار، ويحقق المزيد من التنوع في المشاركين والمواضيع والرؤى، بعيداً ولو بشكل نسبي على الأقل، عن القطرية والإقليمية، وذوي القربى، من الرسميين، وغيرهم. ويرى الجصاني أن الأهم في التجربة «هو كيفية وشكلية إيصال الإبداع العربي إلى المتلقي الآخر، الذي مابرح في الغالب الأعم منغمساً في ترجمات «ألف ليلة وليلة» وسواها، مما نُقل إليه، ومنذ عقود»، مؤملاً أن تقام مناشط من تلك الفعاليات على الأقل، في عاصمة أو مدينة أوروبية». وبحسب عدد من المثقفين يطل عكاظ على المشهد الثقافي العربي وعينه على مركز الصدارة، في ظل ارتباك المربد وخفوت ضوء جرش، لينافس في شمال أفريقيا مهرجان أصيلة الثقافي بقوة كونه يجمع بين ذكرى المكان وذاكرة الإنسان.