تصاعدت أهمية «الرواية» عالمياً مع تحوّل بعض الروايات إلى نقطة ارتكاز نصي يستخدم في «السينما». وإذا كان النص الروائي قد دخل في مكائن التصوير منذ يفاعة الفن السينمائي، فإن الفترة السينمائية الأخيرة تشهد تسابقاً سينمائياً لافتاً نحو تمثيل الروايات سينمائياً، مثلاً: «شيفرة دافنتشي»، أو «الخيميائي» التي تنتظر الصدور. هذا غير الروايات في الخيال العلمي أو الروايات البوليسية. يهمني هنا ليس السرد السينمائي الذي يحتاج إلى مختص في هذا الفنّ. لكنني سأقف مع «شكل» رد فعل الكاتب حينما يشاهد روايته وقد أحيلت إلى شريط من الصور المتناسلة. وسأنمذج على هذا الرصد بالوقوف على رد فعل فيلسوف إيطالي هو «امبرتو إيكو» جرّب شعور الكاتب وهو يشاهد روايته الجماهيرية وهي تتحول إلى فيلم سينمائي وراح يتحدث عن تلك التجربة حينما سئل عن «شعور الخيانة للنص»، هل راوده وهو يوافق على تحويل روايته الشهيرة «اسم الوردة» إلى فيلم سينمائي أنتج عام 1986؟ فأجاب: «لأنني أدركت هذا الأمر، اتخذت إزاء الفيلم موقفاً هادئاً ومطمئناً. وقلت سيكون ذلك عمل شخصٍ آخر». أدرك مساحة الانزياح التي ستحدثها الصورة بحروف النص المُسيّل من الرواية، ذلك أن رواية من 500 صفحة لن تمرّ على كاتب النص الآخر المتزحزح من الرواية باتجاه آلة الصورة من دون أن تُمسّ بتحويل يرخي بمراكز الرواية فيحيي الأحداث الهامشية لتصبح هي عصَب الفيلم ويهمّش الأحداث التي أراد الروائي أن تكون هي الأساس في روايته. تعقيد تحول النص الروائي إلى أنبوبة فيض صوري من المستحيل حسمه، ذلك أن النص الروائي يشترك مع الصورة في «السيلان، والتدفق» في الصور المتعددة، ولا شيء يعدل قرض الروايات في سن باكرة، لقد كنا نتخيل أننا أمام فيض صوري، أننا أمام أشرطة بصرية لا تنتهي، لكننا أمام سيل من الكلمات والعمل، فخ الصورة أنها لا يمكن أن تكرر الصورة لشرح المشهد، على عكس النص الروائي الذي يستمر في المقاربات إلى ما لا نهاية، من رحم النص الروائي ولدت عبقريات تصويرية. هل هذا هو ما أراده «أمبرتو إيكو» في ضربته الرائعة التي تمثلت في «الموافقة» - بكل ما تعنيه هذه الكلمة - أن توافق على تسييل النص في مكائن تكرير النص الروائي، أعني بها آلات التصوير الساحرة. رأى «إيكو» أن قبوله تحويل نصه الروائي إلى شريط سينمائي يتشظى من بركان نصه الروائي رأى في «القبول» مغامرة مسلية، ولم يجد في هذا التصرف خيانة مباشرة، لم يخف إيكو غيرته من الفيلم على الرواية، لذا رفض تحويل روايات أخرى له إلى أفلام سينمائية، «إيكو» لم يكرر تجربة التحويل تلك مرةً أخرى. أردت أن أقف مع هذه الظاهرة السعيدة التي أخصبت السينما؛ أن أدقق في أثَرها على الروائي، لطالما راودني هذا السؤال منذ أن شاهدت روايات عادية نجحت على حساب الفيلم وبين أفلام نجحت على حساب الرواية، كما هي حال الفيلم «زوربا» مثلاً الذي جاء مملاً وتافهاً مقارنة برواية هي من أمتع الروايات التي تضرب في عصب الوجود، وبين رواية نجحت كرواية وكفيلم، كما هي حال «العطر» و«اسم الوردة». هوليوود تقوم بما يشبه الغزو للنصوص العظيمة من أجل تحويلها إلى أفلام، وهي بالفعل مغامرة خطرة تهدد عظمة النص الروائي، وربما خدمتْه! [email protected]