التعاون يتفوق على الخلود والأخدود يغادر مراكز الهبوط    «سلمان للإغاثة» ينفذ العديد من المشاريع لمكافحة الألغام وحماية المدنيين حول العالم    القبض على 8 إثيوبيين في جازان لتهريبهم (144) كجم «قات»    المملكة توزّع 237 سلة غذائية في بيروت بلبنان    "دايم السيف"... الإرث والثراء الخالد    مدرب الأهلي مطلوب في الدوري الألماني    دي بروين يعلن رحيله عن مانشستر سيتي بنهاية الموسم وفولفسبورج يغازله    محمد واحمد الشعيفاني يحتفلان بزفافهما بالقصيم    الأردن تدين قصف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدرسة تؤوي نازحين في غزة    البليهي ينتظر قرار جيسوس    إمام المسجد الحرام: الثبات على الطاعة بعد رمضان من علامات قبول العمل    إمام المسجد النبوي: الأعمال الصالحة لا تنقطع بانقضاء المواسم    بلدية رأس تنورة تختتم فعاليات عيد الفطر المبارك بحضور أكثر من 18 ألف زائر    أمطار رعدية على معظم مناطق المملكة    جمعية «شريان» بجازان تعايد مرضى مستشفى الأمير بن ناصر    مؤشرات الأسهم الأمريكية تغلق على تراجع    قطار الرياض يحسّن تجربة السياح داخل العاصمة    العماد والغاية    حظوظ «الأخضر» في التأهل تزداد    قوميز في مؤتمر صحفي: جاهزون لمواجهة الفيحاء وهدفنا تحقيق الفوز    إقبال كبير على الجناح السعودي في معرض بولونيا الدولي للكتاب    نهضة وازدهار    رؤية متكاملة لتنظيم سوق العقار    شكراً ملائكة الإنسانية    النوم أقل من سبع ساعات يوميًا يرفع من معدل الإصابة بالسمنة    بريد القراء    المَلّة والعريكة.. تزينان موائد عيد الطائف    حرب «المسيّرات» تكلفة رخيصة للمهاجمين وخسارة كبيرة للمدافعين    ولي العهد والرئيس الإيراني يبحثان في اتصال هاتفي تطورات الأحداث في المنطقة    فرع هيئة الصحفيين بحفر الباطن يقيم حفل معايدة للإعلاميين والإعلاميات بالفرع    مدرب الأهلي "يايسله" قبل مواجهة الاتحاد: لانخاف من أي منافس ولن أتحدث عن تفاصيل المباراة    نائب أمير الرياض يعزي زبن بن عمير في وفاة والده    نجوم الفن العربي يتألقون في ليلة دايم السيف اليوم بجدة    السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا    المملكة تحقِّق أرقاماً تاريخية جديدة في قطاع السياحة    الملك وولي العهد يعزيان عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين في وفاة والدته    مركز 911 يستقبل أكثر من 2.8 مليون مكالمة في مارس الماضي    نفاذ نظامي السجل التجاري والأسماء التجارية ابتداءً من اليوم    المملكة تستضيف "معرض التحول الصناعي 2025" في ديسمبر المقبل    المملكة تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى    ودعنا رمضان.. وعيدكم مبارك    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    العثور على رجل حي تحت الأنقاض بعد 5 أيام من زلزال ميانمار    الجيش اللبناني يغلق معبَرين غير شرعيَّين مع سوريا    الدول الثماني الأعضاء في مجموعة أوبك بلس يؤكدون التزامهم المشترك بدعم استقرار السوق البترولية    الأونكتاد: سوق الذكاء الاصطناعي يقترب من 5 تريليونات دولار    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى الاثنين المقبل    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    احتفالات مركز نعام بعيد الفطر المبارك 1446ه    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    ترحيب سعودي باتفاق طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان    طيفُ التوحدِ همٌ أُمَمِي    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«سارة»: دراما لبنانية بين الواقع وصورته المكسورة
نشر في الحياة يوم 29 - 01 - 2010

قد يكون مسلسل «سارة» من أجمل ما شاهد الجمهور اللبناني (والعربي فضائياً) من مسلسلات لبنانية في الآونة الأخيرة (قناة «أم تي في»). فالجهود الكثيرة التي تضافرت فيه، إخراجاً ونصّاً وتمثيلاً وتصويراً استطاعت أن تجعل منه عملاً درامياً راقياً ومميزاً على رغم الهنات الصغيرة التي اعترته، وهي لا يخلو منها عادةً أي عمل درامي أو فنّي عموماً. وان كان السينمائي سمير حبشي، الذي تولّى الإخراج، معروفاً بمهارته وحذاقة عينه السينمائية وتركيزه على ادارة الممثلين واعادة تكوين الشخصيات المكتوبة وتطويرها درامياً، فإن المفاجئ هو النصّ أو القصة والسيناريو والحوارات التي كتبتها الممثلة كلوديا مارشليان، ولعلها المرّة الأولى تبلغ هذا المستوى من الكتابة الدرامية الجميلة، المسبوكة والمصوغة بعمق وواقعية، ونجحت في اختيار شخصياتها الدرامية وحبك علاقاتها، مازجة بين المواقف المأسوية والتشويق الخفيف والتحليل النفسي والواقعية.
انطلق المسلسل من فكرة «التريو» (أو الثلاثي) الشهير والمؤلف من الزوج والزوجة والعاشق كخلفية درامية، لكن الكاتبة والمخرج لم يحصرا العمل ضمن هذا المثلّث، الذي طالما اعتمدته أفلام ومسرحيات كثيرة، بل جعلا منه قاعدة وبنيا عليها عالماً من الأشخاص والعلاقات والمشاعر والأفعال. وقد قلبا مبدأ هذا «التريو» فجعلا في المستوى الأول الرجل خائناً (الزوج عصام) وليس المرأة (الزوجة سارة) كما درجت العادة. وهي هنا لا تقدم على خيانة زوجها إلا بعد وقوعها في حبّ «طارق». وخلال خيانة زوجها لها أدركت أن الحبّ بينهما انتهى للفور ولم يبق منه سوى الولدين اللذين أنجباهما.
في المستوى الثاني يحضر هذا «التريو» عبر الخيانة أيضاً، لكنها الخيانة القدرية التي يقع الزوج (حسان) ضحيتها وكذلك عشيقته (لينا) وزوجته. إلا أن هذه العلاقة القدرية لن تلبث أن تنقلب علاقة مأسوية. فالزوج يصاب بمرض السرطان ويقرر في ما تبقى له من أشهر أن يعود الى حبّه «الخائن» ليستعيد بضعة أنفاس خلال احتضاره الطويل.
والجميل جداً في هذه العلاقة، بل الطريف جداً هو لقاء المصالحة بين العشيقة والزوجة حول سرير الزوج - العشيق الذي ما لبث أن فارق الحياة مغمضاً عينيه على وجه حبيبته. إنه الحبّ إذاً، الحبّ القدري والعاصف الذي يحرّر الخيانة من طابعها السلبي أو «الشرير» في المعنى الاتيكي أو «الأخلاقي». فالخائن والخائنة أو العشيق والعشيقة لا يبدوان هنا مذنبين ولا مخطئين ولا خاطئين (إذا شئنا). بل هما ضحيتان، ضحيّتا شعورهما العميق والنبيل والجارف، ضحيتا هذا القدر الذي لفحمها على الطريقة الإغريقية، بنار الحبّ.
جعل سمير حبشي من هذه الشخصيات وطبائعها (كاراكتير) وأفعالها منطلقاً لبناء عمل دراميّ بديع، مشرع على المعطيات البصرية وعلى الحركة والأداء، ونجح في تجسيد هذه الشخصيات وكأنها فعلاً من لحم ودم، ومن مشاعر وهواجس ومخاوف، وجعل من الكاميرا عنصراً درامياً، فهي لا تكتفي بنقل المشاهد أو اللقطات بل تصنعها أيضاً وتمنحها أبعاداً جمالية ومعاني ودلالات. فإذا المسلسل يتمتع بجوّ عام يخيّم على العمل ككلّ. ونادراً ما تنجح المسلسلات في خلق جو أو مناخ يكون هو روح المسلسل وأفقه.
وبدت فكرة جعل العشيقة لينا (ندى أبو فرحات) كاتبة درامية، فكرة بديعة، وقد استطاعت الكاتبة أن تعبّر من خلالها عن معاناة الكتابة الدرامية والمشكلات التي تواجه هذه الكتابة في علاقتها بالواقع وعلاقتها بالشاشة أو الواقع المتخيّل.
وكان في امكان كلوديا مارشليان أن تستفيد من هذه الفكرة أكثر وأن تمضي من خلال هذه الكاتبة في لعبة التلفزيون داخل التلفزيون، لكنها شاءت أن تدعها شخصية مثل الشخصيات الأخرى، وهذا يكفي طبعاً لأن شخصيتها غنية جداً في أحوالها وأفكارها وفي الصراع المزدوج الذي عاشته، كعشيقة سرّية أولاً ثم كعشيقة تفقد حبيبها.
وأعتقد أن شخصية لينا أقوى كثيراً من شخصية سارة (سيرين عبدالنور) وكان من الممكن أن تكون هي البطلة الأولى، فهي أشدّ الغازاً وعمقاً واضطراباً لا سيما بعدما واجهت زوجة عشيقها التي كانت معجبة بها ككاتبة درامية ثمّ خابت بعدما اكتشفت أنها عشيقة زوجها ولم تتوان في الختام عن مصالحتها ولو شكلياً من أجل زوجها المحتضر. ولا تُنسى أيضاً مواجهة لينا للحظات الموت، وهي لحظات أليمة جداً. وما أجمل تلك الجملة التي قالتها للعشيق: «لا تمت حسان»، فيما حسان يقول لها: «ابتسمي».
وقد أصاب المخرج كثيراً في اختيار ندى أبو فرحات لأداء هذا الدور، فكانت رهيبة وساحرة، وقد برعت في عيش هذه الشخصية بكافة تحوّلاتها، وطوّرتها وأمسكت بوتيرتها الداخلية، فكانت الكاتبة الجريئة التي تعاني في الكتابة وفي ايجاد «القفلة» التي تريدها مفاجئة، مثلما كانت العشيقة الصامتة التي تنفجر حباً وحناناً وتعود الى حبها القديم الذي هجرته على رغم أن هذا الحبّ بات على وشك السقوط في هاوية الموت. وكانت أيضاً الصديقة القوية التي تقف الى جانب صديقتها سارة وتشدّ من عزمها وتشجعها على فضح نفاق زوجها عصام (يوسف الحداد) الذي هو نفاق الرجل الشرقي، المستبدّ، الخائن والذي يريد أن يسجن زوجته فيما هو يتمتع بحرية تامة ويعشق، بل يقيم علاقة مع سكرتيرته، الفتاة الشقراء (باميلا الكيك) التي يعدها بالزواج بعد طلاقه. لكنه ما إن يعلم بخيانة زوجته له مع شاب أحبها يدعى طارق (يوسف الخال) ينتفض شرفه ويشعر بالإهانة ويقرّر تحدّيها وقهرها.
نجح معظم الممثلين، لا سيما الرئيسيين منهم، في أداء أدوارهم المعقدة وشخصياتهم الصعبة، القائمة في معظمها على الصراع الداخليّ: ندى أبو فرحات، سيرين عبدالنور، يوسف الحداد، يوسف الخال وسواهم. لكن سيرين عبدالنور بالغت في اعتبار نفسها «نجمة» فبدت كأنها تمثل وهي تضع نجوميتها نصب عينيها، وتجلّت هذه النجومية أيضاً في ملابسها الجميلة والفخمة والمكلفة وفي إطلالتها كامرأة جميلة تريد أن تحافظ على بريقها حتى في اللحظات الأليمة. وليت هذه الممثلة القديرة تتخلّى عن نجوميتها عندما تكون أمام الكاميرا كي تتمكن من التحرّك بحرية ومن الأداء بعفوية وصدق. فالتمثيل يختلف عن الغناء، ولا أحد يدري مَن أقنع سيرين بأنها تملك صوتاً جميلاً ومتيناً.
انتهى مسلسل «سارة» بحلقاته الخمس عشرة، لكن الجمهور فوجئ بالإعلان عن جزء ثانٍ منه بعنوان «سارة - 2»، وقد أنهى المخرج الحلقة الأخيرة بلقطة مفتوحة وسؤال سيجيب عنه الجزء الثاني من هذا المسلسل الجميل. والأمل، كل الأمل، أن يكون الجزء الثاني في عمق الأول وفرادته وجماله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.