مثّلت استقالة الإعلامي المصري محمود الورواري من قناة «العربية»، مفاجأة في الأوساط الصحافية، خصوصاً أنه لم تمر على استقالة زميله السابق حافظ الميرازي من القناة نفسها سوى أسابيع قليلة، وهو ما طرح العديد من الأسئلة لمعرفة السبب وراء هذه الاستقالات المتكررة التي تشهدها «العربية» من الإعلاميين المصريين تحديداً، وكواليس هذه الاستقالات، وإذا ما كان من أسبابها رفضهم لسياسة القناة، أو لاعتراضهم على قرارات لا يقف عليها المشاهد، لاسيما أن ذلك سبق وأشار إليه الميرازي وعلى الهواء مباشرة في آخر حلقات برنامجه «من القاهرة» على شاشة القناة نفسها. «الحياة» التقت الورواري وسألته عن سبب استقالته المفاجئة، على رغم ما حققه من حضور قوي على الشاشة طوال الفترة الماضية فقال: «بالفعل الاستقالة كانت مفاجئة، ولم يكن هناك أي ترتيب لذلك، لكن بعد زياراتي المتكررة للقاهرة بعد الثورة، فوجئت بوجود فراغ كبير في المجال الإعلامي المصري، خصوصاً أن النظام السابق كان يحتل كل الساحات بما فيها الثقافية والإعلامية، وبعد مغادرته ترك رجاله وذيوله في كل مكان، وكان هناك إلحاح من بعض الزملاء لي على العودة»، مؤكدين أن الوضع الآن بحاجة لإعلاميين يملأون هذا الفارغ، ولا يعتمدون كما كان بعض المنتسبين لهذا الوسط في السابق على «الفهلوة» الإعلامية. وحول ما إذا كان يقصد رؤساء تحرير بعض الصحف القومية أو بعض مسؤولي التلفزيون الرسمي للدولة قال: «كثير من منسوبي هذه المرحلة لم يكونوا يعتمدون على أصول المهنة في ممارساتهم الإعلامية، فكل التلفزيونات والصحف أدارها أهل الثقة المقربون من النظام، وليس أهل الخبرة العارفون بأصول المهنة، وعلينا أنا وغيري في هذه المرحلة أن نوجد حائط صد، وألا نسمح لأشباه المذيعين وأشباه الكتاب وأشباه المثقفين بأن يحتلوا الساحة مرة أخرى، بعيداً عن أي حسابات أخرى»، مضيفاً: «كان لدي نزاع داخلي بين أمرين أحبهما، الأول قناة العربية التي اعتبرها بيتي، والثاني وطني، وبعد أن قارنت بين العربية ومصر ربحت مصر، فذهبت لمدير القناة عبدالرحمن الراشد قبل شهر من الآن، وتكلمت معه، وأخبرته برغبتي في الاستقالة وشرحت أسبابها، فقال لي: «أنت حالم جداً، وما تقوله هو نوع من أنواع الرومانسية السياسية، وتستطيع خدمة بلدك وأنت في العربية، أو أي مكان آخر»، وطلب مني التفكير في القرار، وقدم لي الكثير من العروض حتى لا أترك القناة، لكنه في الأخير تفهم الأمر كإعلامي، وقال لي: «غادر إلى هذا الهاجس الذي أصابك، وأبواب العربية مفتوحة أمامك حال رغبتك في العودة». وأكد محمود الورواري أن زميله السابق في «العربية» حافظ الميرازي لم يقدم له أي دعوات للعودة إلى القاهرة، وأنه لم يتدخل في استقالته، موضحاً: «لم يقدم لي الميرازي أي دعوة ولم ألتقيه بعد الثورة على الإطلاق، وفي إحدى زياراتي للقاهرة كلمته بالتلفون بصفته صديقاً وحاولت أن أستفسر منه عن سبب قيامه بتقديم استقالته على الهواء، لأنني أعرفه رجلاً مهنياً ورجلاً له تاريخه واستغربت منه هذا الأمر، ثم أنني أحترم نفسي ولا اقبل أن أكون «خفيفاً» يمكن أن يحركني الآخرون أو يطلبون مني أن أترك مكان أحببته كثيراً لا حافظ الميرازي ولا رئيس وزراء مصر ولا مؤسسة، وليس هناك شخص قال لي أخرج من «العربية» على الإطلاق .. سوى مصر، ولا يوجد رابط بين استقالتي واستقالة الميرازي» نافياً أن يكون تلقى عرضاً من قناة في ابوظبي «البعض يقول إني سأطل من قناة في ابوظبي أقرأ نشرة الأخبار، وهو أمر غير صحيح، فأنا لن أقرأ الأخبار في قناة غير «العربية» ولن أعمل في قناة منافسة لها إلا إذا قالت لي لا نريدك». الورواري قال ل «الحياة» إنه عاش في إيران 5 سنوات، وقام بتغطية حرب العراق، وذهب لأفغانستان وباكستان وتورابورا مراسلاً تلفزيونياً، وكان من أوائل الإعلاميين الذين غطوا الأحداث في منطقة دارفور عام 2003 لذلك «لم تكن يدي ترعش وأنا أعمل في العربية على رغم أني تلقيت تهديدات بالقتل وكانت هناك اتصالات من مسؤولين مصريين كبار قالوا لي «لو نزلت مصر حنكسر رجلك»، وكانت إدارة العربية تعلم ذلك وهذا الشيء أنا أفتخر به كثيراً». وفيما إذا كان سيتمتع بالحرية نفسها التي كانت توفرها له «العربية» وهو يعمل ضمن قناة مصرية، أوضح: «لا أريد أن انتقل لقناة أشعر أنني سألجم فيها، أنا سأعمل في إعلام بلدي، ما يعني أنني سأقول كلمة حق، وأنني سأسهم في تشكيل الرأي العام المصري بما لدي من رصيد إعلامي اكتسبته عند المشاهد المصري، وهذا لا يعني أنني نجم إعلامي، لكنني في المقابل متأكد أن هناك من يعرفني ويثق بي وسط المشاهدين المصريين، وأنا أحلم بصناعة نموذج إعلامي جديد ومختلف عن النموذج المصري السابق، خصوصاً ما كنا نشاهده في التلفزيون الرسمي، الذي عاش مرحلة تخبط و«فهلوة» طوال السنوات العشر السابقة، وكان يعمل بمنطق دكتور القلب الذي يقوم بجراحة ولادة قيصيرية، ودكتور أمراض النساء الذي يقوم بجراحة قلب، هذا الأداء المربك أدى في الأخير إلى إضاعة المعايير، ولم أكن وقتها قادراً على استيعاب معنى تحول كاتب مقال إلى مقدم برامج، أو رئيس تحرير يتحول لرئيس إذاعة في عملية تغييب ضخمة للمعايير والمهنية، قادت في الأخير إلى ضياع مصر وضياع كل المعايير بها». يذكر أن الورواري لم ينجح في منع دموعه من السقوط أمام ملايين المشاهدين أثناء تغطيته لأحداث الثورة المصرية، وهو ما أكده بقوله: «اعترف بأن هذا ليس من حقي، لكنني بكيت تحديداً يوم معركة الجمل، لأنني كنت على تواصل مستمر مع كل ما يدور في ميدان التحرير، وكانت لدي معلومات عن مؤامرة من بعض رجال الأعمال المنتمين للحزب الوطني، وأنهم سيقومون بارتكاب مجزرة بين الشباب في الميدان، وبعد أن بدأت المعركة شعرت بمصيبة الموقف وخطورته، ومن شدة التوتر بكيت، خصوصاً أن الأخبار التي وردت أفادت عن مقتل 800 شاب، وهو ما دفعني للبكاء ولم استطع أن أتمالك نفسي وأنا أقرأ الخبر، كما بكيت يوم تنحي الرئيس السابق فخراً بهؤلاء النبلاء الذين استطاعوا خلال 18 يوماً أن يسقطوا نظاماً فاسداً عمره 30 عاماً، وأنا اعتقد انه كان بكاء مخلوطاً بالفخر». الورواري تناول بجرأة رأيه في عدد من الإعلاميين المصريين الذين وصفهم ب«المتحولين» قائلاً: «90% منهم استبعدوا وسقطوا، وهم يحاولون الآن العودة من جديد، لكنني أقول لهم «اللي اختشوا ماتوا»، و«إن لم تستحي فاصنع ما شئت»، لكن المشكلة في هؤلاء الذين كانوا يسبون الثورة واليوم يمدحونها بنفس الكم وبنفس الكيف، هم الآن اختفوا لكنهم سيعودون لأنهم يعولون على أن هذا الشعب متسامح، وأريد أن أسقط عليهم ما قاله عادل إمام في إحدى مسرحياته «متعودة دايماً»، لكننا لن نكون كذلك ولن نسامحهم مهما فعلوا».