منذ بدايات العام، استفاقت منطقتنا العربية على ما سمي بالربيع العربي، لما حملته الأحداث في بعض الدول من تغييرات وانقلابات طال انتظارها لعقود مضت، وهي مستمرة حتى اليوم، مما يطرح السؤال حول إمكانية تتابعها في العام الجديد وبالتالي تحديد اسم هذا العام وهويته. لقد سميت أحداث العام في منطقتنا بالربيع العربي بعد أن عانت شعوب بعض الدول من الظلم والاستبداد والقهر وحكم الحزب الواحد أو الشخص الواحد. وعلى مدار عشرات السنين، من دون أية تقديمات اجتماعية أو اقتصادية أو خدمية تخفف من معاناة تلك الشعوب، وفي ظل فساد إداري ومالي كبيرين؛ مما ضاعف الشعور بالإحباط والخذلان إزاء المستقبل، ودفع بالناس إلى الانتفاض بشكل عنيف وغير مسبوق بوجه حكامهم ليسقطوا أنظمة ما كان أحد يتوقع سقوطها ولو بالخيال. وسميت الأحداث بالربيع بعد أن عاشت الشعوب خريفا طويلا وشتاءات قاسية، ما كانت تظن أنها ستخرج منها في يوم من الأيام. فجبروت الحكام والطغاة الذين أسسوا لأنظمة أمنية قادرة على حمايتهم وترسيخ مواقعهم، كان يمنع حتى القوى السياسية المنظمة داخل بلادهم من أن تلعب دورا على أرض الواقع. ونرى اليوم بعض الدول التي طالتها الحركات والانتفاضات الشعبية على طريق الخروج من أزمتها، والبعض الآخر ما زال قيد المعالجة، وآخر ما زال يتخبط في مشاكله وقد مرت الشهور الطويلة حاصدة آلاف القتلى والجرحى من دون التوصل إلى حل ينهي الاشتباك ويوقف نزف الدم. إننا نجد اليوم أنفسنا أمام خريطة جديدة للقوى الإقليمية يصعب تحديد معالمها مع صعوبة تحديد الهويات التي ستحملها تلك الدول المنقلبة على واقعها. وبالتالي فإن استمرار الربيع العربي في العام القادم حتمي حتى تتبلور أوضاع الدول التي بدأت انتفاضاتها ولم تتخذ شكلها النهائي بعد، وحتى تحسم دول أخرى، أو شعوب، وضعها في الصراع، وحتى يستكمل غيرها اتخاذ مواقعه في عملية التغيير الكبرى التي تعيشها المنطقة. غير أنه ومع تدخلات الخارج في الشؤون الداخلية لبعض الدول ومحاولة هذا الخارج توجيه الثورات والحركات نحو ما يخدم مصالحه ويعزز هيمنته على المنطقة، تبقى الاحتمالات مفتوحة أمام ازدياد الفوضى من خلال تعميق الصراعات، حيث يمكن أن يجر هذا الخارج شعوبا ثارت لتتخلص من معاناتها ولتبني لنفسها واقعا جديدا إلى ما لا تريده أو ما لم تكن تخطط للوصول إليه. إن تداخل الرغبات الداخلية للشعوب في بلدانها مع رغبات الدول ذات النفوذ في المنطقة، وأحيانا كثيرة تضارب تلك الرغبات، لا بد له أن ينعكس تخبطا سياسيا لا يمكن معه تحديد معالم المرحلة المقبلة. وهنا تأتي حتمية وضرورة تعزيز وحدة الصف العربي التي تحمي وحدها مستقبل تلك البلاد وشعوبها، حتى لا تؤخذ بالمفرد نحو اتجاهات تدفع ثمنها غاليا، وتدفع دول المحيط الثمن الأكبر. إن إصرار المملكة العربية السعودية على لعب الدور التوفيقي وتعزيز العمل العربي المشترك كفيل بأن يجنب المنطقة تدهورا أمنيا وعسكريا، قد يشعر الكثيرون إننا بتنا قريبين منه أكثر فأكثر، خاصة وأن قوى إقليمية تحاول استغلال التشتت والتشرذم العربي للانقضاض على بعض دولنا من خلال نقاط ضعف أصبحت بارزة للعيان من دون عناء أو جهد. وبالتالي فإن الحكمة في معالجة الأمور والتعقيدات، ومن منطلقات عربية أخوية صرفة مترفعة عن المصالح الضيقة، وحدها التي يمكنها إخراج المأزوم من أزمته، والمحرج من حرجه، والتائه من تيهه. وربما المتآمر من مؤامرته، ووحدها التي تستطيع إعادة اللحمة بين أبناء الأمة الواحدة التي تفترسها أنظار الطامعين والحاقدين. إن الربيع العربي في خطر إذا ما تحولت الثورات إلى كوارث وفوضى، وكذلك هو في خطر إذا ما أصبح مطية للطامعين ومدخلا للحاقدين الذين يتحينون الفرصة للانقضاض علينا. أما أن يبقى الربيع ربيعا، مستمرا في العام المقبل وإلى ما لا نهاية ولا توقف، فهذا يقتضي منا أن نؤمن بالتطور والتقدم، من خلال الوحدة والتماسك وتحديد رؤية مستقبلية تخدم مصالحنا كأمة واحدة، وتنبذ العنف والخلاف والصراع، وتجذر المفاهيم التي قامت عليها فكرة العروبة والإسلام أساس وجودنا وهوية شعوبنا التي بها نفتخر. بيدنا نمدد معالم هذا الربيع، وبيدنا انكفاؤه، والأجدر بنا أن ننجح بتحويل أزماتنا إلى دوافع تجدد ربيعنا وتجعله دائما.