شغلتنا الدنيا بأحداثها الكثيرة المهمة، وبالذات كارثة جدة وخسائرها في فقدان البشر والممتلكات والثقة والتي هيمنت على حياتنا اليومية .. ودون شك أن هذه أحداث تهمنا جميعا .. ولكن للأسف أن هناك بعض الأحداث المهمة الأخرى التي لم تحظ باهتمامنا ولا بالتغطية الإعلامية الكافية واللائقة، وأهمها كانت خلال الأسبوع الماضي حيث جاءت التطورات المهمة في قضية القدس، فلأول مرة في التاريخ اعترف الاتحاد الأوروبي بترسيخ مبدأ أن تكون القدس عاصمة لدولتين .. وقد بدأت المبادرة من السويد حيث نادت بأن تكون القدسالشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، والغربية للآخرين .. وبعدها تم تعديل المبادرة في الاتحاد الأوروبي للإعلان أن تكون القدس عاصمة للدولتين دون تحديد الشرقيةوالغربية .. تخيل أن يمر هذا الإنجاز دون أي صدى إعلامي إسلامي وعربي واسع .. الكتلة الأوروبية تقر القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، ويمر الحدث بهدوء وكأن الموضوع عادي جدا، ولكن الحق أن هذا الموضوع غاية في الخطورة فالاعتراف الأوروبي ببيت المقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية هو أشبه بالحلم وإن كان غير مكتمل حيث إنهم قاموا بتجزئة المدينة، والتجزئة عذاب مرت به القدس عام 1947 عندما تم طرح برنامج تقسيم القدس في الأممالمتحدة بما يسمى الجسم المفصول Corpus Seperatum والذي تم رفضه من الطرفين، والذي أدى إلى مشاكل كثيرة وخلافات كبيرة داخل وخارج العالم الإسلامي والعربي .. وبعد حرب النكبة عام 1948 تجزأت أولى القبلتين فعليا وبدأنا نسمع المصطلح الغريب «القدسالشرقية»و«الغربية».. طبعا تحتاج هذه المبادرة الأوروبية إلى العديد من الجهود وخصوصا فيما يتعلق بتفاصيل إدارة المدينة: ماذا عن الأماكن المقدسة، والسيادة، والاقتصاد، والتخطيط الحضري، والمجالس البلدية .. لو تأملت في أصعب مدينة على هذا الكوكب لا شك أنها القدس وقد تعذب كل سنتيمتر مربع فيها لفترة طويلة جدا وعانت ويعاني أهلها مع إشراق كل شمس بأشكال عجيبة من الظلم .. وكأنها مرآة الضمير العالمي، فعندما يغيب الاهتمام عن القدس، يكون الضمير مشغولا بأمور أخرى .. فالقدس تحتاج إلى تخطيط خاص جدا لأن أوضاعها فريدة كونها تحتوي على أهم المقدسات في المسيحية وهي كنيسة القيامة، وأهم المقدسات في اليهودية وهي «الكتل» بالعبرية أو الحائط الغربي أو الأصح هو «حائط البراق». ومن العجائب أن عدد الخطط التي وضعت للقدس خلال القرن العشرين يفوق عدد خطط أية مدينة أخرى .. يعنى عادة تخطط المدن مرة كل عشرين سنة، أو إن كثرت كل عشر سنوات، وإن «ضربتها الحمى» كما يقولون كل خمس سنوات، وأما القدس فيقدر عدد خططها خلال القرن العشرين بأكثر من تسعين خطة حسب تقديرات الوكيل السابق لرئيس بلدية القدس «ميرون بن فينيستي» .. على وزن «مين يقيس وسطي» .. طبعا تخضع هذه الخطط لحركات «صبيانية» في مجال العمران ومنها «الوقائع على الأرض» التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية، ومفادها هو البناء بأسرع وقت منشآت «تثبت أقدامهم» على الأراضي الفلسطينية، وتستخدم كأداة للتفاوض لكي يصبح كل شبر في القدس ضمن «الخذ» و«الهات» الصهيونية. أمنية مساحة القدس أكبر قليلا من مساحة أرض مطار جدة، ولكنها تمثل تركيزا عجيبا لأخطر قضايا العالم، ومن أخطر ما يهدد القضية الفلسطينية بشكل عام والقدس بشكل خاص ليس إسرائيل بقدر ما هو أن نمل من الموضوع فيصبح من الأمور التي لا نعطيها ما تستحق من الاهتمام .. أتمنى أن نعطي أولى القبلتين ما تستحق من الاهتمام والتقدير .. لتكون في عقولنا، وقلوبنا، اليوم وكل يوم. والله من وراء القصد. للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 122 مسافة ثم الرسالة