من طبيعة لغة الأرقام أنها تبتعد عن المشاعر والعواطف وتظهر فيها الحقائق خالية من التلوين أو الاختفاء وراء الألفاظ، ترضي من يحتكمون إليها عند الاختلاف أو الخلاف، لكن هناك بعضا من الإحصاءات الرقمية لا تكتفي بالفشل في إقناع قارئها، بل تستفزه لتكذيبها أو تدفعه للشعور بالحنق على قائلها.. ومن الأرقام المستفزة ما نسب إلى الناطق الرسمي لوزارة الشؤون البلدية والقروية من أن الأراضي السكنية المطورة المتوفرة في المدن السعودية تبلغ مساحتها تسعة (9) آلاف كيلو متر مربع، وأن هذه الأراضي تكفي لإسكان سبعة وستين (67) مليون نسمة، وأن الوزارة خصصت 169 مليون متر مربع لوزارة الإسكان لبناء وحدات للمواطنين. ومثلها أرقام متوسط عدد الطلاب في الفصول الدراسية، ومتوسط دخل الفرد في بلادنا، ونسبة البطالة... إلى غير ذلك من الأرقام التي لا يشعر معها الإنسان بالتعاطف؛ لأنها لا تترجم الواقع.. هذه الأرقام ليست غامضة ومستفزة فقط، بل مضللة تستنبت المشاعر السلبية في نفوس الناس وتدلس على المسؤول، فالمواطن الذي حفيت أقدامه وشاب رأسه وهو يبحث عن قطعة أرض لسكنه ماذا سيقول عن هذه الأرقام؟. ملايين الشباب المتوقف عن الزواج انتظارا لانفراج أزمة السكن أو فرصة عمل تمكنه من مواجهة ارتفاع الإيجارات ماذا سيقول عن هذه الأرقام؟ الطلاب المتكدسون في الفصول المستأجرة كيف سيقتنعون بأن الأرقام تعبر عن الواقع وتصوره..؟ المشكلة أن مصدري هذه البيانات في الكثير من الجهات لا يشغلهم إلا «تبيض» وجوه إداراتهم ونفي التقصير عنها، لا يهمهم مشاعر المتلقي ولا ما يقوله الناس وكيف تنعكس المعلومات التي يرسلونها على ثقة المواطنين في أجهزة الدولة وتوليد الشكوك في إمكانية إصلاح الأخطاء. الأرقام «الصماء» الكبيرة، سواء أكانت في الميزانيات أو المتوسطات الإحصائية لا تعكس واقع حياة الناس، ولهذا تتولد عنها أسئلة مفتوحة لا تجد جوابا مقنعا. فماذا يستفيد المواطن «الطفران» الباحث عن عمل إذا قيل له أن متوسط دخل الفرد في بلادنا يقارب 23 ألف دولار؟ والذي لا يجد سكنا، وهو في قوائم الانتظار سنين طويلة، ستصدمه معلومات الناطق الرسمي لوزارة البلدية، وسيسأل: هذه الملايين من الأمتار عند من؟ وكيف وصلت إليه؟ وماذا فعل بها.؟ هل فكر الناطقون الرسميون في هذا النوع من الأسئلة وتداعياتها السلبية على مشاعر الناس؟. كان عليهم، وهم أبناء البيئة ويعرفون واقعها وأحوال أهلها، أن يفكروا في آثار ما يبثونه من معلومات ويتعرفون على تأثير ه واستقبال الناس له.