كان يوم الخميس 1 ديسمبر 2016 يوما تاريخيا للمنطقة الشرقية حيث دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود- حفظه الله- مشاريع أرامكو السعودية، وهنا تركيزي على أحد هذه المشاريع وهو مشروع قريب إلى قلبي وخيالي منذ زمن وهو مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي. يوصف المركز نفسه على أنه «محفز للإبداع وواحة للمعرفة» ومهما كانت هذه الكلمات معبرة وجميلة إلا أنني أعتقد أن الدور الواقعي الذي سوف يلعبه المركز في حياة مستخدميه أكبر ليتعدى ذلك ويصبح مغيرا لحياتهم. لعله أيضا نقطة تحول تاريخية للمنطقة بسبب كل ما يمكنه هذا المبنى. لكل من يقول إن الحماس لا بد أنه جرني، أقول إنني أنتظر هذا المبنى منذ زمن وقبل أن توضع فكرته. فحياتنا الفكرية ضحلة وبحر التفاهة المحيطة يجرفنا. يأتي مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي ليملأ فجوة عميقة اعتدنا عليها للأسف لطول معاناتنا منها وهي قلة أو انعدام ما ينمي المعرفة والفكر والإبداع والابتكار في المنطقة وبالتحديد خارج المؤسسات التعليمية. لدينا من المكتبات والمنشآت الثقافية القليل والمتفرق الذي لا يكاد يحدث فرقا لقلة ما لديه من موارد أو عدم مقدرة مديريه على تقديم المحتوى القوي المؤثر. لذلك كان تخصيص صرح ثقافي كامل بحجم مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي يؤكد على أهمية المعرفة والعلم في مستقبل المملكة وقدومه بهذه القوة لا بد أن يقابل بالتفاؤل بالتغيير الإيجابي المرتقب. ترتبط نشأة المركز باحتفال أرامكو السعودية بمرور 75 عاما على نشأتها وكان ذلك في العام 2008. ويفتح المركز أبوابه للعامة بعد تقريبا تسع سنوات «منتصف 2017». سنوات طويلة من الانتظار للبعض ولكنها سنوات طويلة من العمل الشاق والدؤوب للبعض الآخر. تأخر حفل التدشين قرابة أسبوع لما كان لهطول الأمطار من تأثير نظرا لبعض التسرب والعيوب التي لم تظهر إلا وقتها. عمل سنوات ألغاه الكثيرون من خلال حدث. لا شك أنه محرج ولا شك أنه سبب المشاكل، ولكن لو لم يتزامن مع الافتتاح لما عرفنا عنه ولتم حله دون أية ضجة، لذلك أرى في سيل التشمت والاستهزاء إجحافا بحق كل من عمل وبخس غير عادل لعملهم. الخطاب المعماري يتعدى المبنى المحسوس ليشمل قصة النشأة والفكرة والظروف ومنها ما ذكرت على عجالة واقتضاب ولكن القصة التي أنتظر كتابتها فعلا هي قصة كيف أثر المبنى على المجتمع والأجيال القادمة. كيف نمت المواهب وأعطيت الفرص ووفر مساحة للإبداع. فالمبنى تحفة معمارية فريدة غيرت خط سماء الظهران ووضعت المنطقة الشرقية على خارطة العمارة العالمية المعاصرة. ولكنه كذلك مساحة لتخيل المستقبل. في الأسبوع القادم سوف أستعرض المبنى من وجهة نظر معمارية بشرح وظائفه والأفكار التصميمية التي يحتويها وبالنظر إلى المكتب المعماري المصمم شركة سنوهيتا (Snohetta) النرويجية والتي فازت بمسابقة التصميم من خلال تصميم جريء يعتمد في التشكيل الأساسي على تكوين فني يبدو كالحجارة وأفكار تصميمية متنوعة. فالمبنى ثري وملهم ويستحق الاستعراض سواء من الجانب الفلسفي الفكري أو الهندسي التقني أو المعماري الفني... وللحديث بقية.