لماذا يتخوف السلف من العقل؟ هذا ما سنجيب عنه، إنّ اغترار الإنسان بالعقل هو ما أخاف السلف، وهل يغتر الإنسان بعقله؟ فنقول: كثير من الضلالات الفكرية هي لهذا السبب، الغرور بالعقل. فالسلف كانوا يخشون على الأمة أن تغتر بالعقل فتضل وتقدّمه على النص الشرعي مطلقا، ولذلك جاءت أقوالهم في التحذير من العقل، فجاء بعضنا ففهم المسألة فهما خاطئا، فهل كان السلف يحذرون من العقل؟ سأستشهد بموقف عالم سلفي هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- فقد بسط الكلام على هذه المسألة. فنؤكد على أنّ شيخ الإسلام أعطى للعقل مكانته، ولذلك فإنّ دور شيخ الإسلام ابن تيمية في التوفيق بين الفلسفة اليونانية وبين الدين الإسلامي في كتابه «درء تعارض العقل والنقل» فذهب الى أنه لا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، أي بين الدين والعقل. وقد بيّن ابن تيمية تأثر بعض المذاهب الإسلامية بفلسفة اليونان التي تقدّس العقل وتجعله الأصل في التفكير والمعرفة، ومن هؤلاء «المعتزلة» الذين جعلوا الأصل «العقل» وقدموه على النصّ «القرآن والسنة الصحيحة» وبيّن خطأهم الذي وقعوا فيه. ومثل المعتزلة تيّار فكري حديث هو تيار العقلية الحديثة. فلهذا حذّر أعلام السلفية من العقل بهذا المعنى لكنهم لم يهملوا العقل ولم يهمشّوه كما فعل بعض السلفية المعاصرين. ففهم بعض السلفيين المعاصرين من هذا التحذير من العقل اهمال العقل والاعتماد على النصّ فقط، وهذا هو المشكل في الأمر. فليس مقصود السلف تهميش العقل، وانما مقصودهم التحذير من الاغترار بالعقل كما اغتر به المعتزلة وتيار العقلية الحديثة. فجاء بعض السلفيين المعاصرين فهمشوا العقل ونهوا عن استعماله، وللاسف فإن هذه النظرة كانت موجودة في بعض علمائنا فسرت على مناهجنا الدينية، فنشأ لدينا جيل يغلب عليه الخوف من العقل، ويتردد في مسائل عقلية ومنطقية، لأنه فهم أن السلف يهمشون العقل، فلذلك ابتعد الجيل عن العقل.