هل كانت المخاوف المتعلقة بتداعيات تصويت بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي مبالغا فيها؟ على الرغم من أن الانتعاش الحاصل في أسواق الأسهم العالمية ربما يوحي بذلك، إلا أن أسواق السندات غير متأكدة تماما. ينبغي على الأشخاص، الذين يستثمرون في السندات الحكومية لأجل عشر سنوات اتخاذ نظرة بعيدة المدى، حيث إن قيمة الأوراق المالية تعتمد على ما ستقرره البنوك المركزية بخصوص أسعار الفائدة قصيرة الأجل خلال العقد القادم، الأمر الذي يتوقف بدوره على كيفية تطور التوقعات الاقتصادية. وكل هذه المعلومات تظهر آثارها وعلاماتها في عائدات السندات، -التي على افتراض أن المستثمرين يرون خطرا ضئيلا لحدوث إعسار أو تضخم جامح - ترتفع وتنخفض جنبا إلى جنب مع آفاق المتصوَّرة للنمو في البلدان. انخفضت تلك العائدات بعد الاستفتاء الذي جرى في الثالث والعشرين من يونيو، ما يقدم فكرة واضحة جدا: أدرك المستثمرون أن الصدمات البعدية المتصلة بالتجارة وغيرها والمتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد يمكن أن تؤثر في كل من المملكة المتحدة والنمو العالمي، ما يرغم البنوك المركزية على الرد من خلال خفض أسعار الفائدة. قبل حلول الثلاثين من يونيو، تراجع العائد على السندات البريطانية لأجل عشر سنوات بحوالي 0.5 نقطة مئوية -وهذه خطوة ضخمة في عالم السندات السيادية. أما عائدات السندات الحكومية الأخرى فقد انخفضت بنسبة تتراوح بين 0.14 و0.30 نقطة مئوية، كما انخفضت العائدات على سندات الخزانة الأمريكية أيضا، لأن المستثمرين لجأوا إلى سلامة سندات الخزانة. رغم ذلك، الأمر اللافت للنظر هنا هو عدم حدوث تغير كبير خلال الأسابيع اللاحقة، حتى في الوقت الذي انتعشت فيه أسواق الأسهم وأصبح الوضع في بريطانيا أكثر وضوحا مع وصول تيريزا ماي إلى منصب رئيس الوزراء. انتعشت العائدات على السندات الأمريكية نوعا ما، ويعود الفضل جزئيا إلى الإشارة الإيجابية التي أشار إليها تقرير الوظائف لشهر يونيو (الصادر في الثامن من يوليو). لكن باستثناء ألمانيا، يبدو تقييم مستثمري السندات لتوقعات البلدان الأوروبية سيئا أو حتى أسوأ. لماذا هذه الكآبة المستمرة؟ ولماذا يمكن أن تكون ألمانيا أفضل حالا، على الرغم من أن صادراتها إلى المملكة المتحدة تستأثر بحصة كبيرة نسبيا من إنتاجها؟ لا شك أن كل أنواع المعلومات يمكنها التأثير في أسعار السندات - لكن خلال الأسبوعين الماضيين لم يحدث أي شيء بكبر حجم التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي. أحد التفسيرات المحتملة هي أن المستثمرين لا يزالون قلقين من أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ربما تحذو حذو بريطانيا، ما يفرض مزيدا من التهديد على الاتحاد الذي -رغم جميع عيوبه- عمل على تحفيز النمو في جميع أنحاء أوروبا. لذلك، إن كنت تؤمن بسوق السندات، ربما يكون من السابق لأوانه الشعور بالراحة إزاء الآثار المترتبة على الخروج من الاتحاد.