ربما تكون اليونان ودائنوها قد تفادوا حدوث أزمة بالموافقة على الإفراج عن جرعة أخرى من أموال الإنقاذ، لكن الصفقة لا تقدّم الكثير فيما يتعلق بالتصدي لمشكلة أعمق: لا يزال الأوروبيون لا يرغبون في استثمار أموالهم هناك. يعتبر تدفق رأس المال ما بين بقية منطقة اليورو واليونان مؤشرا مفيدا على الثقة في نزاهة اتحاد العملة. كما يمكن تعقبه من خلال النظر في مطلوبات بنك اليونان نحو البنوك المركزية الأخرى في اتحاد العملة - وهو رقم يرتفع، على سبيل المثال، عندما تعمل المخاوف من مغادرة اليونان منطقة اليورو على تحفيز الناس لنقل العملة إلى خارج البلاد. وصول حزب سيريزا اليساري إلى السلطة، برئاسة أليكسيس تسيبراس رئيس الوزراء، والمأزق الذي طال أمده في المفاوضات مع الدائنين، أدى إلى حدوث نزوح جماعي، خلال العام المنتهي في شهر يونيو 2015، خرج من البلاد مبلغ يعادل أكثر من 40 بالمائة من الناتج الاقتصادي السنوي لليونان. وتوقف هذا بعد أن أدخل تسيبراس تحولا تاما في شهر يوليو، بموافقته على اتخاذ تدابير قاسية لخفض العجز مقابل الحصول على المزيد من القروض. ورغم ذلك، فإن الكثير من أموال القطاع الخاص بقيت خارج البلاد منذ ذلك الحين - ما يعتبر علامة على الآثار المترتبة على ضوابط رأس المال، وعلى المخاوف المستمرة المتعلقة بما إذا كانت اليونان ستبقى في منطقة اليورو أم لا. من الصعب أن نرى كيف يمكن لاقتصاد اليونان أن يحقق الانتعاش ما لم يبدأ رأس المال الخاص بالعودة على نحو أكبر بكثير مما يحدث الآن، وهذا من غير المحتمل أن يحدث إلا حين يعتقد المستثمرون أن الموارد المالية في البلاد قابلة للاستدامة، كما أوضح صندوق النقد الدولي بصورة لا لبس فيها، فإن العقبة الأكبر هي ديون الحكومة التي تلقي بثقل هائل على الاقتصاد، ما لم يتم التصدي لهذا الأمر، ستفشل اليونان لا محالة في الوفاء بالتزاماتها نحو الدائنين، الأمر الذي يتسبب في إلحاق المزيد من الضرر للاقتصاد، والذي سيؤدي إلى حدوث مواجهات ومآزق أكثر ضررا في العلاقة بين اليونان وبين دائنيها. الدول الأوروبية الثرية نسبيًّا، التي هي الدائن الرئيسي لليونان، لا تزال تمانع في إمكانية تخفيف عبء الديون عن اليونان وإعفائها من جزءٍ منها، لكنها لا تعتزم اتخاذ إجراء بهذا الشأن حتى منتصف عام 2018 في أقرب وقت ممكن. في الوقت نفسه، يجب على اليونان أن تتحمّل المزيد من حالة التقشف الساحقة نفسها التي ساعدت في الحفاظ على معدلات البطالة عند نسب تزيد على 20 بالمائة. طالما أن الدائنين يصرّون على التظاهر بأن هذا النهج سيؤدي بطريقة ما للحصول على النتائج المرغوبة، للأسف فإن إبقاء أموالك في أماكن أخرى يبدو منطقيًا.