إن هاتين النعمتين متاحتان لكثير من الناس، إلا أن التفريط فيهما سمةٌ بارزةٌ لكثيرٍ منهم، ولو أنهم عرفوا أهمية هذه النعم وعملوا على توظيفها فيما أراده الله -تعالى-؛ لزادت نِسبُ النجاح والتميز بين أفراد المجتمع. والنعمة الأولى هي الصحة، وهي نعمة لا ينتبه لها المرء غالباً إلا عند السقم، فالكيِّس من اغتنم هذه الصحة، وسخّرها للعمل بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة. وأما النعمة الثانية فهي نعمة الفراغ، وهو الوقت الذي أتاحه الله -تعالى- للعبد؛ ليعمل فيه قبل أن يعمل الوقت فيه، فكلُّ يومٍ يمرُّ يأخذ يوماً من عمر ابن آدم، يقول عمر بن عبدالعزيز "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما". والناس متفاوتون في القدر الذي يستفيدون فيه من أوقاتهم، فمنهم من يغتنم من وقته شيئاً يسيراً، ومنهم من يقتله باللهو والعبث، غير أننا لو نظرنا إلى شريحة المتميزين من البشر، لوجدنا أنهم جميعاً يهتمون بالوقت اهتماماً بالغاً، ويحسنون توزيعه وإدارته، فهو رأس المال الذي إن ذهب فإنه لا يعود. ولقد نبَّه علماء التنمية البشرية في العصر الحديث على أهمية الوقت، وعدُّوا اجتماع الطاقة البشرية (الصحة) مع حسن إدارة الوقت والاستفادة منه والمحافظة عليه؛ من أهمِّ أسرار النجاح والتميز. ويمكن لكل فردٍ أن يصل إلى ما وصل إليه المتميزون من النجاح (بعد توفيق الله تعالى)، شريطة أن يُعيد برمجة حياته بطريقة صحيحة، بعيدةٍ عن اللهو والعبث، الذي هو في الحقيقة من أهمِّ المعوِّقات التي تحول بيننا وبين التقدم الحضاري والصعود بين الأمم. ومما يعين على تنظيم الوقت وحسن استغلاله والاستفادة منه: الدعاء الصادق بأن يبارك الله -سبحانه- في الأوقات، وأن تكون عامرة بما يرضاه، والتوكل على الله، والأخذ بالأسباب المعينة على حفظ الوقت من الضياع، ومن ذلك: وضع خطة واضحةٍ ومقسَّمة على مراحل، تحددُّ فيها المراحل بوقت يتناسب معها، والتخلص من كل الملهيات التي قد تعترض أو تعيق العمل، ويدخل في ذلك تقليل المشاغل الثانوية التي يمكن الاستغناء عنها، وترتيب الأولويات (الأهم فالمهم)، تنمية صفة الانضباط الزمني، توزيع الوقت على المهام بدقة، ومعرفة أن فعالية الوقت ليست في طوله، ولكن في مهارة توزيعه. ومن الأسباب أيضاً النظر في سير الأعلام والمشاهير من السابقين واللاحقين وتأمل الإنجازات التي قاموا بها، من أجل تنمية الشعور بأهمية الوقت، وإدراك أهميته، ومن أجل الاستفادة منهم في طريقة تقسيم الوقت والاستفادة منه. من خصائص الوقت، أنه إذا ذهب فإنه لا يعود، ومع هذا فهو رأس المال الذي لا غنى عنه لمن أراد أن يتميز ويرقى في سلم النجاح، ومعرفة أن توظيف الصحة في أداء الأمور النافعة، وملء الوقت بها؛ هو شكر لله -تعالى- على هذه النعم، ومعرفة أن العبد مسؤولٌ يوم القيامة عن هذه النعم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة، حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُره فيمَ أفناه؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟»