إنشاء هيئة عليا لتطوير المنطقة الشرقية ليس أمرا إيجابيا للمنطقة الشرقية فحسب، بل هو داعم لاقتصادنا الوطني، فالمنطقة الشرقية هي قاطرة النشاط الاقتصادي، ففيها جزء مهم من ثرواتنا الوطنية، وفيها الجزء الاكبر والاهم للنشاط الصناعي، وهي بوابة بلادنا الى جزء حيوي وخطير من العالم، لذا ليس غريبا ان تجد المنطقة الدعم والاهتمام من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله. الحكومة في السنوات الماضية اعتمدت مشاريع أساسية عديدة لتعزيز البنية التحتية في المنطقة، وإنشاء الهيئة العليا سوف يوجد الالية الحكومية التي تساعد في إنجاز هذه المشاريع. كما برهنت لنا الشواهد في السنوات الماضية، لم يكن التمويل الحكومي إشكالية التنمية الكبرى، فقد توافر التمويل للعديد من المشاريع التي يحتاجها الناس في جميع المناطق، ولكن هل نفذت هذه المشاريع؟ الرقم المعلن للمشاريع المتعثرة في مختلف المناطق يتجاوز الان (ترليون)، اي ألف مليار ريال، والآثار المترتبة على عدم إنتاجية هذه المشاريع على الاقتصاد الكلي ربما تجعل الرقم يعلو بعيدا في الافق! الذي يتفق عليه المستقلون ومن هم في سدة المسؤولية الحكومية، هو ان الاشكالية الحقيقية للتنمية في المملكة هي في (البعد الاداري)، وهذا الجانب لا يرتبط بالموارد البشرية، توفرها أو قدرتها، إنما يرتبط بالآليات الحكومية التي صعّبت تفعيل (الادارة المحلية) للتنمية، وأوجدت عوائق إدارية تحول دون تفعيل الجهد الحكومي في بعده المحلي. ارتباط فروع الوزارات والهيئات في مراكزها الاساسية، كان ولا يزال اشكالية للحاكم والقائد الاداري، وهذه من عوامل تأخير إنجاز المشاريع وتعطيلها، وعدم تفعيل التنمية في إطارها المكاني. ثمة اشكالية اخرى تبرز على البعد المحلي، وهي الاثار التي تترتب على عملية التحديث الشامل، فهذه تولد مشاكل وقضايا ربما تكون بدون هوية.. وبالتالي حلها والتصدي لها يصبح غير واضح، فغالبا تتنازع الاجهزة الحكومية الصلاحيات النظامية، ومن هنا تحدث الأزمات والاختناقات للتنمية. ايضا ربما يكون من اساسيات الادارة المحلية ضرورة تفعيل المشاريع التي تحتاجها التنمية الاجتماعية الاقتصادية، وهنا توضع في المقدمة المشروعات التي تفتح فرص العمل والتجارة. في البعد المحلي، تفعيل هذا الجانب يأتي في أولويات ومسؤوليات القائد الاداري. بالنسبة لنا في المملكة هذا الجانب حيوي، ولكن مع الاسف غير مفعل بالشكل الكافي والضروري. مما يحتاجه القائد الاداري هو ضرورة تفعيل (المجتمع الاهلي) ومؤسساته حتى تكون اداة مشاركة ومسؤولية في النشاط الاقتصادي، وهذه من ضرورات التنمية المستدامة، وقد شهدنا في اعمال قمة العشرين الكبار في العالم الذي عقد مؤخراً في استراليا، دخول هذا الجانب بشكل أساسي في اجندة الاقتصاد العالمي، حيث وضع تنمية مؤسسات القطاع الثالث ضمن ضرورات محفزات النمو الاقتصادي العالمي. نحن في المملكة جزء من المنظومة العالمية الكبرى، ولدينا جيل شاب (70% من السكان) يتطلع الى الحراك الاقتصادي والاجتماعي، ولدينا دولة تنظر وتخطط للمستقبل البعيد، وتواجهها تحديات رئيسية، محلية وخارجية، ولن تستطيع ان تحقق النقلات النوعية المتتالية الضرورية لاستيعاب هذا الحراك الشبابي واستثماره وإنجاحه بدون نقلة إدارية جديدة مرنة تمكن من تفعيل الاليات الإدارية والاقتصادية في ادارة التنمية في بعدها المحلي. وهذا هو الامر الأساسي الذي نحتاجه من الهيئات، مثل الهيئة الجديدة في المنطقة الشرقية. إنها آلية نظامية توفر الارضية الجامعة للجهود والأفكار والتصورات بحيث تكون مؤسسة للتفكير والابحاث وإنتاج السياسات العامة، وايضا مؤسسة لإنتاج الرؤية المستقبلية لاقتصاديات المنطقة مع ربطها بأولويات التنمية الوطنية الشاملة في العقود القادمة. الهيئة نرجو ان تتصدى للمشاريع الاساسية الضرورية للاستقرار والأمن الوطني، بحيث لا تترك لأولويات واعتبارات الأجهزه الحكومية، إنما تكون مستجيبة للاعتبارات التي تدعم الأمن الوطني والمصالح العليا للدولة وللناس. خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، وضع الالية الضرورية المناسبة لدعم الادارة المحلية في المنطقة، والأمير سعود بن نايف سوف يجد الدعم الحكومي الذي يمكنه من تحقيق الأهداف التي وضعتها الحكومة لتسريع مشاريع البنية الاساسية في المنطقة الشرقية، وسوف تعطيه الذراع الذي يحتاجه لإطلاق مشاريع الشباب وإبداعاتهم. والاهتمام بالشباب يضعه الامير سعود بن نايف في قائمة أولوياته، وفي المجلس الاسبوعي مساء امس الاول الذي خصص لشباب الاعمال، تهلل الامير فرحا وهو يرى الشاب فهد الحمزي، ابن جازان وابن الشرقية، يتملك مصنعا صديقا للبيئة بعد الدعم الذي قدمه مجلس شباب الاعمال الذي يرأسه الامير سعود فخريا، تجسيدا وتقديرا لاهتمامه بالشباب. الامير سعود مدرك ومؤمن بأهمية الادارة وبضرورة توحيد الجهود لمؤسسات الدولة، وحين التقيته قبل عام، عندما انتقلت لعملي الجديد في الجريدة، لمست من حديثه إدراكه الواعي بضرورة وأهمية تفعيل الادارة حتى تقوم الاجهزة الحكومية بواجباتها، حتى تسهل الحياة على الناس وتحل مشاكلهم وتوسع أبواب العمل والكسب لهم، وتضع المستقبل حاضرا بين اعينهم وقريبا من أيديهم. وإدراك الامير واعترافه بالمشكلة المعضلة للتنمية هو البداية الجادة لإنتاج الحلول، انه التفكير الإيجابي الذي نحتاجه بقوة حتى نتخطى مشاكلنا. من يرانا نقلق وننزعج من المشاكل التي نتحدث عنها، ربما يشفق علينا، فنحن في بلد تتوافر فيه كل المقومات التي تؤسس للحياة الكريمة المستقرة، لدينا إرادة سياسية جادة في التطوير والإصلاح والتحديث، ولدينا الموارد المالية الضخمة، ولدينا التجربة والخبرة في التنمية، والكفاءات البشرية التي استثمرنا فيها، ولدينا الشركات الخاصة الكبرى التي بنت تجربة طويلة. لدينا كل ما تحتاجه دولة المؤسسات المعاصرة، فقط نحتاج (تفعيل الادارة) لنستثمر هذه الامكانات، وهذا ما سوف تحققه، باذن الله، الهيئة الوليدة بالمنطقة الشرقية، كما حققت وأنجزت الهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض. إننا في بلد غني بالتجارب الناجحة، ولا تنقصه الارادة، ويتطلع للمستقبل، وكل ما نحتاجه هو ان نكون اكثر إيجابية مع أنفسنا.. ومع بلادنا.