الواسطة والمحسوبية.. لم تتوقف عند حد الظاهرة فقط، بل تخطت ذلك بكثير حتى اصبحت طريقة حياة فالحصول على وظيفة الآن ايا كان حجمها وموقعها لا يحصل صاحبها عليها الا بطريق الواسطة.. وهو ما ادى الى ضياع حقوق الموهوبين واصحاب الحقوق الذين لا يعرفون وزيرا او مديرا، بينما المحظوظون يستولون على الوظائف الهامة. فهل هي مرض اجتماعي ام وسيلة من وسائل ظلم الاخرين؟ هل هي مقبولة ام منبوذة اجتماعيا؟ وما هو مصير الغالبية العظمى في ظل احتكار ذوي الوجاهة والمال لكليات النخبة سواء عسكرية او طب، هندسة، حاسب، لغات، لماذا يكثر الحديث عن الواسطة في هذه الايام؟ وما السبب في اقتصار هذه الظاهرة على مجتمعاتنا الشرقية (اليوم) استطلعت الآراء للوقوف على هذه الظاهرة.. فكانت المحصلة التالية: في البداية تحدث فهد الفريدي قائلا:الواسطة تنقسم الى قسمين: اولا: الشفاعة المحمودة: وهي اذا لم يترتب على الوساطة ضياع حق لاحد او نقصانه فهي على العموم جائزة ويؤجر عليها الشفيع ان شاء الله فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (اشفعوا تؤجروا). ثانيا: الشفاعة المذمومة: وهي اخذ حق من غير وجه حق لانها ظلم لمن هو احق بها بحرمانه من حقه وهذا ظلم عظيم ويترتب عليه مفاسد كثيرة. وهذه الشفاعة داء عضال ينخر في جسد الامة وهي من الاثم والعدوان والظلم وفساد في الارض. قال تعالى :(ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب). طالبو الواسطة وقال محمد الحريص: في هذه الايام بالذات وربما الايام المقبلة يكثر الحديث عن الواسطة فهذا يريد ان يدخل الكلية العسكرية وهذا يريد الكلية الصحية وذاك يريد الجامعة وهذا يريد وظيفة وهكذا دواليك، وتجد في المقابل من يعلق كل اخفاق له في دخول كلية او وظيفة بسبب الواسطة. ويحرج كثير من الناس في الوقت الحالي من كثرة طلبات اصدقائهم ومعارفهم فهذا يريدك ان تسعى لابنه وذاك يريد ان ينقل وظيفة ابنته وكلهم لا يرحمون فإن نجحت بان تكون سبب خير انهالت عليك بقية المعاملات من الزملاء والاقارب وان تعذرت قالوا لماذا سعيت لفلان وان اخفقت قالوا ليس فيه خير وما ينفع. وان تعذرت من البداية انهالت عليك التهم, هذا متكبر ومتغطرس, هذا لا يقدر احدا, وما الى ذلك من تشويه السمعة. وكلهم لا يعذرون وكل يعتقد انك تسعى له وحده ولا يعلم كم ساعدت وكم سهلت امور كثيرين! وهكذا دواليك. ويضيف: الناس استمرأت الواسطة اذ تجدهم لا يريدون ان يذهبوا لدائرة او مصلحة لانجاز معاملة روتينية الا بعد ان يسألوا عن احد يعرفونه او يعرفه شخص آخر. بهذه الدائرة ليمشي المعاملة بينما هي بالحقيقة لا تستحق كل هذه الضجة وتمشي بالنظام، ثم بعد ذلك يبدأ هذا الرجل الذي ليس بينه وبين الموظف علاقة بارسال اشخاص عليه يقول لهم قولوا له اننا من طرف فلان فيدخل الموظف باحراجات لا نهاية لها. الواسطة فوق القانون وقال فيصل الفهيد: من وجهة نظري ان الواسطة شيء طيب في بعض الاحيان خصوصا ان كانت لا تسلب حق شخص بعينه. فمثلا لو ان شخصا اراد دخول مستشفى وفي حالة حرجة فالواجب على من يعرفه بان يقوم بخدمته بقدر الاستطاعة، والواسطة كما يتداول الناس فوق القانون ولو كانت الامور تمشي بصورة صحيحة لما وجدت ولما احتاجها الناس، فالآن في ظل هذه البطالة والاعداد الكبيرة من الخريجين لا تستطيع الحصول على وظيفة او دخول كليات معينة الا بفيتامين (واو) فالواسطة مطلوبة في الحالات الانسانية فقط. واضاف محمد المشخص: شكلت الواسطة لعدد كبير من الناس حاجزا نفسيا فاذا قلت له هناك وظائف بالادارة الفلانية لماذا لا تذهب لتقديم اوراقك ربما تتوفق بالتعيين قال لك يا عمي هذه واسطات ومعروف من يعين قبل الاعلان, والاعلان شكلي ولاشك ان هذا شيء خاطئ والانسان يجب الا ييأس ولا يمل ولا يعلم التوفيق اين يكون؟، ولا شك ايضا ان هذا الاحباط الذي اصاب البعض لم يأت الا بعد تجارب فاشلة متعددة ولكن ليس لنا الا الصبر فلا نملك غيره، كذلك لماذا نفترض سوء النية منذ البداية فيجب على الخريج عدم اليأس والملل وبذل جهده واستطاعته حتى لا يلوم نفسه ويقول لقد قصرت وظلمت نفسي لعدم اجتهادي وسعيي الحثيث للحصول على وظيفة. طبيعة المجتمع اما خالد الشارع فقال: تلعب العلاقات الاجتماعية دورا كبيرا في مجتمعاتنا العربية عموما فطبيعة المجتمع العشائرية والمناطقية بل حتى علاقة المدينة الواحدة والقرية الواحدة تلعب دورا كبيرا في القبول والميل والرفض والنفور، فتجد المسؤول الفلاني من الاسرة الفلانية او القبيلة الفلانية بل حتى المدينة الفلانية تجده يقرب اقاربه والمحسوبين عليه ويكون للعلاقات الاجتماعية والقرابة والصداقة دور كبير بمسألة التعيين او القبول وتكون السياسة المتبعة (سياسة هذا ولدنا) وهكذا الا اننا لا نعمم ولكن لا نستطيع انكار وجودها هذا الشيء فهذه ادارة جل موظفيها قصمان وهذه حساوية وهذه قبائل الجنوب وتلك اهل الشمال.. الخ. اخطر ما يواجهنا وقال محمد الشهري: الواسطة هي اخطر ما يواجهنا اذ تجد من يتولى المناصب لا يستحقها ويظلم من يستحقها لان هذا مدعوم ولديه واسطة والآخر ليست لديه واسطة، وتجد المدعوم يترقى ويصل للمناصب ويصرف له انتدابات وخارج دوام والآخر لا شيء وتجد مثلا في الكليات العسكرية والصحية للواسطات دور كبير في مسألة القبول وليس النسبة التي لا تطبق الا على الضعفاء فقط. محموده احيانا اما فهيد الخالدي فله رأي مغاير حيث يقول: احيانا تكون الواسطة مطلوبة وواجبه على كل مستطيع فتجد خريج تخصص نادر ولديه ظروف ولم يتمكن من ايجاد وظيفة وتجد مثلا مريضا يعاني ولم يتمكن من العلاج بمستشفيات الفئة الاولى (كمستشفى الملك فيصل التخصصي او الملك فهد بالحرس الوطني) فتتوسط له بادخاله المستشفى او بتقديم موعده، فالواسطة هنا مطلوبة ومحمودة اما ان كان يترتب عليها ضرر للآخرين فهي مرفوضة بالطبع. تجارب امم سبقتنا وقال ناصر الجبلي: يجب ان نتخلى عن الانانية وحب النفس والذات وان نجعل الحيادية والكفاءة والانتاجية والاخلاص هي المقياس وليس القرابة او الصداقة او المعرفة او الواسطة، فلن تتطور شعوبنا ان لم نكن محايدين وان لم يأخذ الاكفاء والمتميزون فرصتهم ويعطوا وضعهم المناسب. فلماذا لا نستفيد من تجارب امم سبقتنا في هذا المجال. فتجد امما ضعفت وتداعت بسبب انتشار الفساد الاداري والمحسوبية والواسطة وبيع الوظائف.. الخ. ويضيف: تجد امما تقدمت بسبب تطوير التعليم وتركيزه على الاحتياجات الحقيقية في البلد والصناعة وتقدير الكفاءات والابتعاد عن المحسوبية فمن يعمل ويجتهد ويخلص هو من يستحق البقاء والعمل ومن لا يجتهد ويعتمد على امور خارج نطاق العمل كعلاقة شخصية وخلافه فلن يستمر وسيعطي مكانه لمن يعطي ويفيد ويزيد الانتاجية.