قال الله سبحانه وتعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) آل عمران 97 في هذه الآية الكريمة تكليف الهي لجميع الناس بالحج.. والحج هو التوجه إلى مكان مخصوص لأداء فرض مخصوص في زمن مخصوص ولذلك صار الحج ركنا من أركان الإسلام وفروضه إلا أن هذه الفرضية مشروطة بالاستطاعة التي تتمثل في صحة العقل والبدن ووجود المؤونة (النفقة) للحاج ولمن خلفه من أفراد اسرته، والأمن، فإذا توفرت هذه العناصر الثلاثة لم يعد هناك مبرر للتقاعس أو التراخي عن أداء فريضة من فرائض الإسلام كما يجب عدم التسويف والتأجيل لأن الإنسان لا يملك أمر نفسه..إذ قد يفاجئه الأجل فلا يستطيع حولا ولا قوة.. لذلك أجمع الفقهاء وحثوا على المبادرة بأداء هذه الفريضة قبل فوات الأوان ولا يكفي امتلاك المؤونة والاستطاعة لاداء فريضة الحج.. لأن لهذه الفريضة أركانا وشروطا وسلوكيات منها ما نص على بيانه وإيضاحه في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ومنها ما تولى شرحه وتفسيره رجال الفقه والحديث والمفسرون وبعض هذه السلوكيات نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). والرفث هو ما يكون من الرجل والمرأة من مقدمات الجماع وقيل هو التعريض بالنكاح، وقيل هو جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. أما الفسوق فهو الخروج عن الشيء.. وهو هنا الخروج عن الطاعة بعدم الالتزام بالأوامر الربانية والتوجيهات النبوية. أما الجدل فهو شدة الفتل وجدلت الحبل أجدله جدلا، إذا شددت فتله وفتلته محكما وهو اللدد في الخصومة والقدرة عليها وهو المناظرة والمخاصمة. فهذه الأمور نهى الله عنها نهيا قاطعا مقرونا بفرضية الحج.. لكن مع الأسف الشديد أن غالبية الحجاج لا يلتزمون بهذه الأوامر الإلهية لانهم منذ ان يضعوا أقدمهم على ركاب الراحلة يبدأون في اللجاج والخصام مع قائد حملتهم أو متعهدها ومع الباعة في الأسواق ومع بعضهم البعض على طعام أو مكان، حيث يفقد بعضهم الاتزان وينسى فضيلة التسامح والتواضع ولين الجانب بل يتصرف كأنه متوجه إلى معركة الغلبة فيها للأقوى ذراعا وحجة فيجمعون بذلك بين الفسوق والجدل ناسين ومتناسين توجيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه، يعني أن من يتجنب هذه الموبقات يخرج من ذنوبه الماضية نظيفا نقيا من الذنوب والله سبحانه وتعالى قمين بمجازاته على تلك الطهارة في القول والعمل لكل مسلم واجتنب الموبقات طمعا في رحمة الله والعتق من النار كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من يوم يعتق الله فيه عبدا من النار أكثر من يوم عرفة) صحيح مسلم 1248. وللحج آداب شرحها الامام الغزالي بأن لا يكون مقترا على نفسه وعلى من حوله، وطيب النفس بالبذل والانفاق إلى جانب طيب الكلام اثناء محادثته للآخرين من زملاء الرحلة وغيرهم وان يكون طيب الرائحة نظيفا في بدنه حتى لا يؤذي إخوانه المسلمين بالروائح الكريهة. ومن آداب الحج إلا يضايق المسلمين في الطرقات والمشاعر وأن يكون رفيقا محسوب الخطوة حتى لا يطأ رجل هذا أو يؤذي ساق هذا، والا يزاحم على المشاعر وأن يفسح الطريق للنساء وكبار السن والعجزة وهناك آداب خاصة بدخول المسجد الحرام والطواف بالبيت هي: أن يستحضر عظمة البيت في قلبه ويقدر أن الله سبحانه وتعالى يراه.. لانه واقف بين يديه سبحانه وتعالى لذلك على المسلم أن يقف ويتحرك حسبما تسمح له الظروف وإذا استلم الحجر أن يكون استلامه متفقا مع التوجيهات النبوية دون مزاحمة أو إيذاء للناس لأن الاستلام بمثابة المبايعة لله تعالى على التزام الطاعات والأنتهاء عن المعاصي والمنكرات، وللوقوف بعرفة آداب يجب مراعاتها حيث على الإنسان أن يذكر حين يرى ازدحام الخلق على المشاعر المقدسة عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والائمة، وألا يشغل قلبه أو لسانه اثناء الوقوف بعرفات بأي نوع من أنواع الملاهي التي تصرف الإنسان عن ذكر الله أماما يفعله بعض الناس من اللغو ومزاحمة الحجاج وإيذائهم بالحركات الهوجاء وبذيء الكلام والاشتغال في يوم عرفة بالأحاديث الخارجة عن حدود الأدب والتلهي ببعض الألعاب والملاهي كلعب الورق أو سماع الأغاني من المذياع فأن ذلك منكر ينقص من الحسنات ويزيد السيئات لأن فيه انصرافا عن الله سبحانه وتعالى وعدم التزام بأوامره ونواهيه. أما أختنا الحاجة حماها الله. فان عليها الابتعاد قدر الإمكان عن أماكن تزاحم الرجال وعدم الدخول في تجمعاتهم أثناء السعي والطواف لئلا يصيبها ما يخدش حياءها ويجرح عبادتها ويعكر صفو حجها الذي تريده ان شاء الله آمنا ميسرا يجلب لنفس المسلم والمسلمة السعادة والرضا. وعلى المسلم الذي ركب رحلته وأعد عدته لأداء فريضة الحج أن يتذكر قول الله سبحانه وتعالى (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وان على الحاج ان يتبع ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يتقيد بآدابه وأوامره وأن يتجنب نواهيه فنسأل الله لهم حجا مبرورا وذنبا مغفورا وأن يعودوا إلى أهلهم وذويهم سالمين غانمين وبرضاء الكريم فائزين وأن يكون بداية الطريق إلى الاستقامة والالتزام بالأوامر الشرعية.