ارتبطت الدراما العربية بشهر رمضان، بينما احتفت الكوميديا بأجواء العيد، في توجه يبدو منطقيًا لانسجامه مع الحالة النفسية والاجتماعية للمجتمعات خلال هذه المناسبات. لكن اللافت هو ندرة الأعمال الفنية التي تنقل بوعي ثقافة المناسبة وطقوسها، سواء الدينية أو الاجتماعية، مما يطرح سؤالًا عن غياب دور الفن كوسيط ثقافي قادر على توثيق الهوية ونشر قيمها. مقارنةً بالإنتاج العالمي المُخصص لأعياد كالكريسماس والهالوين، تبدو الفجوة واضحة في تعاملنا الإبداعي مع مناسباتنا. فبينما نجح الغرب في تحويل شجرة الميلاد وبيض الفصح إلى أيقونات عالمية عبر دمجهما في حكايات إنسانية عن الحب والعائلة، ما زلنا نعجز عن تقديم رمزية «العيدية» أو طبق «الكعك أو المعمول أو الدبيازة» كجزء من سردية فنية مؤثرة، رغم ثراء مخزوننا الثقافي. تختار القنوات العربية الأعمال «الآمنة» التي تعتمد على نجومية الممثلين أو الكوميديا السريعة، لتضمن نسب مشاهدة عالية تجذب المعلنين. هذا النموذج الاقتصادي يحد من تجربة المحتوى الثقافي الأعمق، الذي يحتاج إلى وقت أكبر في البحث والإنتاج، كما أنه لا يستجيب لضغوط الإعلانات التي تستهدف جمهورًا واسعًا بلا تمييز. النتيجة؟ مسلسلات تكرر نفس النكات عن «زيارة الأقارب في العيد» دون أن تغوص في دلالاتها الإنسانية. من جهة أخرى، فإن ثمة هاجسًا يطارد صناع المحتوى: الخوف من النقد أو الاتهام ب«التشويه» عند تناول الطقوس الدينية. هذا الهاجس حوّل العيد في معظم الأعمال إلى مجرد ديكور خلفي لمشاهد الضحك، بدل أن يكون محورًا لقصص عن المصالحة أو الفرح المشترك. وفي المقابل، نجد الأعمال العالمية تتعامل بمرونة مع المناسبات والأعياد الدينية. تمتلك المناسبات العالمية آلة إعلامية جبارة تدعمها صناعات السينما والتلفزيون. ف«الكريسماس» ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو علامة تجارية تروج لها هوليوود عبر عشرات الأفلام السنوية التي تدمج قيم العطاء مع حبكات درامية. أما نحن، فغالبًا ما نستهلك النماذج الجاهزة: فكرة «الحلقة الخاصة بالعيد» ونكررها دون إضافة بصمة خاصة أو محتوى مشوق. ويبقى السؤال: كيف يمكن أن نصنع أيقونتنا الخاصة للعبور من المحلية إلى العالمية؟ ليست المشكلة في تقديم كوميديا، بل في كيفية صناعة كوميديا ذكية تختفي خلفها رسائل ثقافية. تخيل مسلسلًا عائليًا تدور أحداثه في يوم العيد، يسلط الضوء على عادة «زيارة الجيران» من خلال قصة مصالحة بين عائلتين، أو مسرحية هادفة للأطفال تشرح تاريخ «زكاة الفطر» بلغة بصرية جذابة. كما يمكن الاستفادة من القوة الناعمة الرقمية؛ إذ يمكن لمنصات رقمية متعددة إنتاج مسلسلات قصيرة حول يوم العيد، تقدم شخصيات من دول عربية مختلفة خلال تحضيراتهم للمناسبة، مع إبراز التنوع الثقافي في الأكلات والملابس والعادات، بطريقة درامية. إضافة إلى ذلك، يمكن التعاون مع منتجين عالميين لصناعة محتوى يعرض ثقافة العيد للعالم، كما تفعل اليابان في رسوم «الأنيمي» التي تقدم طقوسًا محلية ضمن حبكات عالمية. فيلم المحقق كونان، على سبيل المثال، يدمج احتفالات «التاناباتا» اليابانية في قصصه البوليسية. الأعياد لدينا تفتقد أيضًا الذاكرة البصرية، فلماذا لا نرى في كل عيد فيلمًا كرتونيًا عن قصة «الأم» التي تعد كعكها الخاص؟ أو مسلسلًا تاريخيًا يعيد تقديم طقوس العيد؟ هذه الأعمال ستتحول مع التكرار إلى ذاكرة جمعية، كما حدث مع «بابا نويل» الذي ارتبطت صورته الحديثة بإعلانات كوكاكولا في ثلاثينيات القرن الماضي! لا تقتصر فائدة هذه الأعمال على الهوية فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد. فلو قدم مسلسل شهير «سجادة الصلاة» التي يُهديها الأبناء للآباء في العيد كرمز للمحبة والخير، لتحولت إلى سلعة. ولو ظهرت «حلويات العيد» في مشهد درامي مؤثر، لصار لها سوق سياحي، كما حدث مع «الكعك الفرنسي» بعد ظهوره في فيلم Julie & Julia. العالم لا يتذكر سوى الثقافة التي تُحكى كقصة، وما زال العيد ينتظر فنانين يجيدون تحويل «التفاصيل الصغيرة» إلى سرديات إنسانية تسبح في العالمية.