يشهد عالم الموسيقى تحوّلًا عميقًا تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت هذه الأدوات أكثر حضورًا في استوديوهات الإنتاج وبين أيدي المؤلفين والمنتجين وحتى المغنين المستقلين. فقد بات بالإمكان تلحين، توزيع، إعادة تأليف، ومزج المقاطع الموسيقية بجودة عالية وفي وقت قياسي، وهو ما كان يتطلب أيامًا أو أسابيع من العمل في الماضي. هذا التقدم لا يعني فقط تسهيل عملية الإبداع، بل أيضًا فتح آفاق جديدة للتعبير الموسيقي، خاصة لأولئك الذين يعملون منفردين أو لا يملكون موارد فنية كبيرة. وبالرغم من ذلك، فإن هذا التحوّل التكنولوجي السريع ليس موضع ترحيب لدى الجميع. فهناك حالة من القلق تسود أوساط بعض الموسيقيين والملحنين الذين يشعرون أن هذه التقنيات قد تُهمّش مساهماتهم أو حتى "تقطع أرزاقهم"، حسب تعبير البعض. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذه الثورة ليست نظرية أو مستقبلية، بل واقع قائم ويزداد رسوخًا كل يوم. شركات التقنية الكبرى، ومنصات التوزيع، وحتى أجهزة المساعدة المنزلية الذكية بدأت في دمج أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على توليد موسيقى كاملة، أحيانًا دون أي تدخل بشري مباشر. نماذج واقعية من الساحة القانونية العالمية في مارس 2025، رفض قاضٍ فيدرالي دعوى تقدمت بها مجموعة من ناشري الموسيقى العالميين ضد شركة "Anthropic"، التي تستخدم كلمات أغاني محمية لتدريب نموذجها الذكي. رغم المخاوف القانونية، أشار القاضي إلى أن القضية لم تُثبت الضرر الذي لا يمكن إصلاحه، مما فتح الباب لنقاش واسع حول ما إذا كان تدريب الذكاء الاصطناعي على بيانات محمية يُعد انتهاكًا فعليًا أم لا. وفي مثال آخر، أطلقت شركات فنية وموسيقية في المملكة المتحدة حملة احتجاج ضد توجه حكومي يسمح باستخدام أعمال الفنانين ضمن نماذج الذكاء الاصطناعي دون إذن صريح منهم. قادة الفنون هناك رأوا في هذا القرار تهديدًا مباشرًا للإبداع وحقوق المؤلفين، محذرين من أن مثل هذا التوجه قد يقوّض الثقة بين الفنان والتقنية. من جانب آخر، أوضح مكتب حقوق النشر الأمريكي في بيان صدر في يناير 2025 أن الأعمال الناتجة كليًا من الذكاء الاصطناعي لا تُمنح حقوق حماية فكرية ما لم يكن هناك تدخل بشري واضح ومبدع في عملية الإبداع. وهذا التوضيح يمنح الفنانين شيئًا من الأمان القانوني، إذ يربط الحماية بالإبداع البشري لا بالآلة. الذكاء الاصطناعي كأداة... لا كبديل تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في الموسيقى يمكن أن تكون مثمرة للغاية، بشرط التعامل معها كأداة في يد الفنان، لا كمصدر مستقل للإبداع. فالمؤلف الذي يبدأ فكرته من لحن شرقي على العود، أو جملة موسيقية صغيرة، يمكنه الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في توزيع هذا اللحن، أو تخيله في قالب غربي، أو حتى إعداده لأوركسترا. كل هذا دون أن يفقد العمل أصالته أو توقيع صاحبه. لكن لتأمين الحقوق وتجنب الإشكاليات القانونية، ينبغي على الفنانين أن يوثقوا أعمالهم من البداية، ويحتفظوا بجلسات العمل الأصلية (DAW session) التي توضح كل خطوة في المشروع. كما أن تسجيل الأعمال رسميًا عبر رموز مثل ISNI وISRC وIPI يعزز موقفهم في أي نزاع. في نفس السياق، من المهم أن يكون هناك وعي بأن بعض الشركات قد تستخدم مواد محفوظة لتدريب أنظمتها دون إذن مسبق، وهو ما يُعرض هذه الأنظمة – وربما مستخدميها – لنزاعات مستقبلية. نحو ثقافة إنتاج فني مسؤولة من هنا، فإن المستقبل لا يتجه نحو إقصاء الموسيقي البشري، بل نحو إعادة تعريف دوره. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع بعد – وربما لن يستطيع يومًا – تقليد العاطفة البشرية في لحن، أو بصمته الإبداعية، أو أسلوبه الشخصي في العزف، أو حتى ذوقه المتفرّد. ما يحتاجه الفنانون اليوم هو التسلّح بالمعرفة، والتوثيق، والانفتاح على أدوات العصر، مع الحرص على ألا يفقدوا أصالتهم، وألا يفرّطوا في حقوقهم. تلك هي المعادلة التي ستصنع فنانًا معاصرًا قادرًا على أن يخلق بصمة في زمن التقنية دون أن يُستبدل بها. سعود بن عبدالمجيد نائب رئيس جمعية الموسيقى