تمتاز المجتمعات المنغلقة على ذاتها بترويجها شعارات الفضيلة التي تم اختزالها في مجموعة الموروثات العرفية التي أخذت طابع الشرعية كمصدر مقدس في الحياة وطاقة لا تنضب في المسير، فالخصوصية التي تنشأ عليها تلك المجتمعات تعارض أي محاولة لتشكيل ثقافي حديث بعيداً عن الإطار التقليدي القديم، فالمجتمعات المغلقة تسير وفقاً للعادات القبلية بفرض نمط أحادي معين باسم الموروثات التي تتحول مع الوقت إلى أسلحة أيديولوجية تتعدى على حقوق الآخرين، فالأطر الاجتماعية التي تتظاهر المجتمعات المنغلقة بالتمسك بها ما هي إلا وسيلة من وسائل التناحر، وشعارات الخصوصية التي ترفعها تلك المجتمعات ما هي إلا دعوة لقمع أي رأي مخالف لأطرهم الخاصة، ومن الغريب أنهم يستخدمون في قمعهم أدوات التقنية الحضارية الحديثة التي هي أصلاً نتاج ذات الأسس الفكرية التي يحاربونها. لقد شهدنا في الآونة الأخيرة عدة أحداث أثارت الرأي العام في مجتمعنا، لعل أبرزها حملة قيادة المرأة ومحاربة الحملة بشتى الأساليب، وأيضاً تحرشات الشرقية، وضرب عامل وتعنيفه من قبل مواطن، وكثيرا كثيرا من الأحداث التي لا يسعني ذكرها هنا، ولكن مع كل هذه الفوضى الأخلاقية حان الأوان أن نتحدث عنها بموضوعية على الرغم من كل الانتقادات التي يمكن أن يتعرض لها هذا المنحى في التعاطي مع مسألة الأزمة الأخلاقية السائدة، لأن الحديث عن عورات المجتمع يغضب مُدَّعي الفضيلة، وهذه أحد الجوانب السلبية التي تعاني منها المجتمعات المنغلقة التي تمتعض من البوح الإعلامي عن أي قضية توضح الخلل الهائل في التركيبة الأخلاقية المجتمعية، فمشكلة المجتمع المغلق أنه يغض البصر عن عيوبه وينطلق من مفهوم المجتمع الملائكي متناسياً أنه مجتمع بشري عرضة للخطأ والأخطاء، فلا يمكن لأي مجتمع أن يكون مجتمعاً مثالياً وهذه هي الطبيعة البشرية التي أرادها الله، وأي محاولة لتسليط الضوء على الأخطاء إنما هي محاولة لنقاشها ومعالجتها معالجة واقعية بمعزل عن فكر التجاذب القبلي. إن من سمات المجتمعات المغلقة حرصها على تبجيل وترسيخ قيودها، بل إنها ترى في القيود سر وجودها وبقائها، لذلك يتم رفض الرأي الآخر؛ فتختفي فيها فضائل كالحوار والتسامح فيسود الاكتئاب والتوتر وتبرز ظاهرة العنف اللفظي والجسدي، حيث يعيش داخل كل نفس في تلك المجتمعات «مستبد صغير»، حيث نشاهد أن فئة كبيرة من المقموعين تقمع من هم أدنى منها كقمع الزوج زوجته والأب أولاده والرئيس مرؤوسيه حتى إذا ما وصلنا إلى قاع الهرم الإنساني نجد قمع الحيوانات وتخريب الأماكن العامة وهذه ما هي إلا ردة فعل طبيعية، فعندما يعجز المقموع عن مقاومة قمعه يتصرف بهذا السلوك كتعبير عن رفض القمع الآتي من الأعلى، فغالباً ما يعاني المجتمع المنغلق من خلل وتناقضات محيرة وازدواجية صارخة، فلا هو ملتزم بقيمه التي أجبر عليها ولا هو استطاع بناء نسق حضاري خاص يعبر عن نجاح هذه الخصوصية التي حان الوقت أن نتفحصها جيداً ونعيد هيكلة معالمها التي بدأت تتهاوى مع المد التكنولوجي الهائل الذي سمح لنا برؤية مشكلاتنا الاجتماعية وتوثيقها بالصوت والصورة وتداولها على أوسع نطاق، مع أن التغيير ليس بالأمر الهين ولكن تبقى أطياف أمل تلوح هنا وهناك.