شهد تشييع جنازة الدكتور عبدالهادي الفضلي، عصر أمس، في سيهات بمحافظة القطيف، حضوراً حاشداً، تعبيراً عن الحب للراحل، وتقديراً لدوره الريادي ومكانته العلمية. وحضر الآلاف منذ وقت مبكر من أمس إلى مدينة سيهات من مدن مختلفة في المنطقة الشرقية، للمشاركة في تشييع جنازة الراحل إلى مثواه الأخير. وأُدِّيَت الصلاة عليه في ساحة امتلأت بالمشيِّعِينَ، قبل أن يسير موكب التشييع، الذي شارك فيه عشرات الآلاف، حتى وُوري الجثمان في مقبرة سيهات. وأوضح رئيس اللجنة المنظمة لمراسم التشييع طالب المطاوعة أن الحضور المهيب الذي شهدته مراسم التشييع يبيِّن جانباً من مكانة الفضلي عند الأهالي، ومدى تعلقهم به وبفكره، مشيراً إلى مشاركة نحو ألف متطوع، بعضهم بشكل عفوي، في تنظيم المراسم، التي شارك فيها عشرات الآلاف، لافتاً إلى أنه يختصر الحدث في جملة «أمة فقدت أمة.. ووطن فقد وطناً». وشوهدت في سيهات عشرات الحافلات، التي تطوع لتسييرها عدد من اللجان الأهلية في المحافظة، لنقل الراغبين في المشاركة من عدة مدن في المنطقة الشرقية، من وإلى موقع التشييع. وأصدرت أسرة الفقيد بياناً نعت فيه الراحل بالتزامن مع عشرات البيانات التي صدرت من داخل المملكة وخارجها، من شخصيات ثقافية واجتماعية وإسلامية، ومن مؤسسات عدة، نعت فيه الفضلي، ووصفته ب «المفكر الإسلامي» و»داعية الاعتدال والإصلاح»، فيما سيتلقى ذووه ومحبوه التعازي في مجلس علي الناصر في الدمام. نتاج عدة ثقافات من جهته اعتبر الناقد محمد الحرز بأن العلامة والفقيه الدكتور عبدالهادي الفضلي من الشخصيات النادرة التي جمعت في مسيرتها وحياتها الثقافية المعرفة الدينية من جهة، والمعرفة الأكاديمية النظامية من جهة أخرى، وقال بأن ذلك «يعني الكثير الذي لا يمكن حصره في تنوع مصادره الثقافية، وأثر هذا التنوع على انفتاح شخصيته وغناها من العمق. بل يعني أنه أعطى مثالاً قوياً وساطعاً على الإمكانات العقلية والنفسية والذهنية التي استطاع من خلالها أن يمدّ جسور التواصل بين معرفتين كان كثير يعتقد باستحالة الالتقاء بينهما إطلاقا». وأكد على أن الدكتور الفضلي هو نتاج عدة ثقافات ذات التكوين الاجتماعي المتنوع، فمن البصرة إلى النجف ثم بغداد وجدة والقاهرة؛ حيث هي محطات ومدن تشتهر بطابعها الكوزموبولتي التي من أخص خصائصها التعايش في ظل التنوع الثقافي والاجتماعي والديني أيضا. شخصيته الهادئة كما بدت لي في المواقف القليلة التي حظيت فيها باللقاء به، تخفي خلفها بحراً واسعاً في شتى صنوف المعرفة. وقال الحرز إن شخصية الفضلي «تعلمك أن المعرفة وحدها يمكن أن تصنع هوية الإنسان؛ كي يعيش بها في مدن مختلفة، هوية تتعالى على ما هو فئوي، أو مصلحي. هوية لا ينفصل الأخلاقي فيها عن الفكري، دون أن يوقعه ذلك في الوعظية أو الارتهان إلى ثقافة واحدة. لذلك يمتاز خطاب هذا العلامة بالسعي إلى بناء الوحدة من منظور إسلامي، وتحديث هذا المنظور بلغة ثقافية معاصرة. هكذا هم كبار الرجال حين يصبحون لمجتمعهم بمثابة العلامة المضيئة في دروب، من يريدون أن يذهبوا إلى المستقبل، وهم محملون بفكر مثل هؤلاء الرجال. رحم الله العلامة الفضلي؛ فقد خلف وراءه منجزاً يفخر به الوطن. يذكر بأن الموت غيب الدكتور عبدالهادي الفضلي، صباح أمس الأول بعد صراع دام خمس سنوات مع المرض، لم يوقفه من إنجاز عديد من المؤلفات خلال مرضه حسبما ذكر أقارب الفقيد. عناق وبكاء في وداع الفقيد (تصوير: علي غواص)