بعد سنوات طويلة أمضتها في أروقة قناة الجزيرة في قطر، قدمت جمانة نمّور استقالتها وعقدت العزم للعودة إلى وطنها الأم، لتطل عبر منبر عربي من لبنان، وتعبر عن ظروف استقالتها هذه وعلامات الاستفهام التي وضعت عليها، وعن رؤيتها للإعلام مع هذه الثورات، وعودتها المرتقبة، وغيرها من الأمور، كان هذا الحوار مع الشرق: * فصل طويل من حياتك أمضيته في الغربة وها قد عدت أخيراً إلى وطنك الأم أخبرينا عن تلك المرحلة؟ - لم يكن شعورا بالغربة بقدر ما كان شعورا بالشوق والحنين إلى لبنان، فهناك أماكن ترتاحين فيها وأماكن تنتمين إليها.. قطر بلد استقبلنا بالترحاب ولم نشعر يوماً بأننا غرباء وأحمل في قلبي له ذكريات جميلة جداً، فيها أسس زوجي أول بيت، وترافقت أنا وقناة الجزيرة التي قدرتني منذ انطلاقتها. لكنني كنت أنشد العودة، حين شعرت بأنه الوقت المناسب لذلك وأدركت تماماً أنني إن تأخرت قليلاً فذلك سيبعدني عن هدفي لفترة طويلة وسيصّعب مسألة تقبل ولدي لحياتي الجديدة. * ماذا عن ظروف استقالتك من “الجزيرة” التي تزامنت مع استقالة أربع من زميلاتك؟ - هذه الاستقالة أخذت الكثير من الأخذ والرد، ما اضطرني إلى الابتعاد عن الحديث عنها إذ لم أكن أريد البحث في أمور مؤسساتية داخلية لا تخص أحدا غيري أنا والمؤسسة، ولا أحب أن تخرج خارج نظامها الداخلي، لكنّ التسريبات التي حدثت هي من خلق كل هذه البلبلة. بالطبع هناك شوائب تحصل في بعض الموضوعات، لكن ما يمكنني قوله بأن الجزيرة على المستوى المهني وقطر عموماً على الصعيد الخاص، كانتا فصلا أساسيا في حياتي، وبما أن الحياة فصول بغض النظر عن السبب، فقد حان الوقت أن ينتهي هذا الفصل ليبدأ فصل جديد، وهذه هي دورة الحياة.. أما بالنسبة للزملاء، فكنا 11 شخصاً تقدمنا بشكوى إدارية إذ اختلفنا في وجهات نظر معينة على نهج متبع، وبعد النقاشات قررنا نحن الخمسة أن نتقدم باستقالاتنا لكن لكل منا أسباب مختلفة عن الأخرى. * هل صحيح أن النهج السياسي الذي اتبعته مع بعض الثورات العربية كان السبب في رحيلك؟ - أشكرك على هذا السؤال الذي أريد توضيحه كي يزول اللغط الحاصل على هذه النقطة… بعض الزميلات، كانت هذه النقطة سبب مغادرتهن للمحطة ما وضعنا جميعاً في هذه الخانة، رغم أننا لا نشبه بعضنا في خلفياتنا وانتماءاتنا السياسية!! استقلنا من الجزيرة في شهر مايو/ أيار أي قبل بدء الثورات وأؤكد لك أن لا دخل لي بهذه النقطة لا من قريب أو بعيد. * شكك البعض في مصداقية “الجزيرة” واعتبرها تقوم بفبركة الأحداث، فما هو رأيك بهذا الكلام؟ - فبركة الخبر ليس بلعبة على الإطلاق، أيعقل أن تضع المحطات الكبرى مصداقيتها بأكملها على المحك!؟ ولنفترض صحة هذه الفرضية فهذا يعني بأن مجمل الشعوب العربية ممثلة وتستحق الأوسكار إذ يضاهون الباتشينو في الأداء، إن كان هذا المنطق يطبق ويصدقه العقل فلنبدأ بتثبيت هذا التفكير حقاً. الناس لديها مطلق الحرية في أن تصدق هذه الأمور لكن بالنسبة لي فهذا أمر غير منطقي ولا أصدقه… لا شك أن السياسات الإعلامية في كل مؤسسة تركز على منهج معين، وإن كانت تركز على موضوعات دون أخرى، أو إن كانت موضوعية أم لا فهذا أمر مختلف يناقش علمياً، هذا إضافة إلى أن علماء الاجتماع توصلوا مؤخراً إلى نتيجة تثبت أن ليس هناك من موضوعية إعلامية بنسبة مائة بالمائة. * منذ سنة ونصف تقريباً وأنت بعيدة عن الشاشة متى ستطلين مجدداً وأين؟ - تلقيت مجموعة من العروض من محطات كبرى لكن هذا كان يتطلب مني عدم العودة إلى بلدي، لذا طمعي في العودة إلى لبنان وفي الوقت نفسه عدم الابتعاد عن مناقشة الموضوعات الإقليمة والدولية كما اعتدت من خلال منبري السابق، جعلني أتريث وأنتظر العرض المناسب لأطل عبر منبر عربي من قلب لبنان، لذا ارتبطت مع تلفزيون فضائي جديد لم يعلن عن اسمه بعد لكن الأمر يتطلب بعض الوقت لتصبح كل الأمور في جاهزية تامة. * بعد عشرين عاماً من خوضك لغمار الإعلام السياسي ألم يتسلل الروتين إلى قلبك؟ - المسألة ليست مسألة روتين بقدر ما هي حاجة إلى استراحة طويلة بعد عشرين عاماً من العمل الإعلامي، فالأحداث السياسية تتنوع وتتبدل كل لحظة لكنني كنت بحاجة إلى إجازة أجري فيها تقييما ذاتيا وأتطلع إلى الأمور من منظار جديد كي لا أكرر نفسي، إذ بعد كل هذه السنوات يصل الإنسان لمرحلة يشعر فيها أنه يقف مكانه ويقدم عمله بسهولة وهذا الشعور عملياً يعني بأنه يتراجع إلى الوراء وهذا هو الأمر الخطير. * أتوافقين نظرية إشهار الإعلامي عن خطه السياسي؟ - الأمر يختلف بحسب مكان العمل، فمعظم وسائل الإعلام اللبنانية مقسومة على بعضها وإن تابعت إحداها تعرف تلقائياً أي وجهة نظر تعكس!! بالتأكيد أوافقه التعبير عن وجهة نظره على ألا يقدم نفسه على أنه موضوعي يقدم الحقيقة كاملة وهو لا يفعل ذلك…هناك خط رفيع بين الأمرين والمنطق في النهاية هوالحكم. يشهد الإعلام اليوم مع هذه الثورات بعض الفوضى لكنها برأيي إيجابية لأن كم الحرية الذي يكبر يسياهم في العديد من الانفتاح والتعددية. * البعض يلمس عكس ما تتحدثين عنه نظراً لما يحدث في ليبيا ومصر وتونس وغيرهم؟ - علينا الانتظار فالتجربة لم تكتمل لنحكم عليها، والتغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها.. صحيح أن مبارك قد تنحى لكن القضية لم تنته هنا لأن المؤسسات مازالت في قبضة الحكم التوتاليتاري لذا فالأمر يحتاج بعض الوقت. * كيف تقييمين تعامل الإعلاميين مع الثورات؟ - لا يمكننا أن نعمم لأنه يختلف من مؤسسة إلى أخرى لكن الإعلام عموماً تعب مع هذه الثورات. فثورة تونس فاجأت الإعلامين وأخذتهم على حين غرة فلم يتمكنوا من اللحاق الفوري بها ففضحت ضعف الإلمام لدى البعض في أخبار المغرب العربي، بينما التونسيون ملمون بكل تفاصيل المشرق العربي. هذا ولا ننسى ظروف كل ثورة ففي سوريا مثلاً منع الإعلام من تغطية الأحداث وهنا تصبح المهمة أصعب.