مسفر الشمراني «أنت خصمي لكنك لست عدوي مقاومتك تعطيني القوة وإرادتك تعطيني الشجاعة إذا تغلَّبت علي فلن أهينك بل سأكرمك وجودك مهم في حياتي» بهذه الكلمات بدأ أطفال الصين استعداداتهم لاستقبال عاصمتهم دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008 إنها تعويذة خاصة بتلك الأولمبياد على الطراز الحضاري الذي لا يعرفه إلا العقلاء، والعقلاء فقط الذين يتعاملون مع الآخر، المختلف فكرياً، باحترام، دون الدخول في النوايا، ويحسنون الظن، حتى يثبت لهم العكس، ولا ينتهجون النهج الماسوني في النظر إلى الآخر، بعين الريبة والتشكيك في النوايا والتوجّهات، لمجرد الاختلاف في مواضيع هامشية، لاعلاقة لها من قريب أو بعيد بالتوجّه الديني، فالتصالح مع النفس أولاً، والدخول في هدنة مع الآخر، لا تعني التحالف أو الاستسلام أو التنازل عن المبادئ، فالتنافس في هذه الدنيا ممتع، وتقبل وجهة النظر، بعد حوار واحتدام رأي، شيء رائع، إذا أيقنا في قرارة أنفسنا، بأنّ للآخرين آراءهم، كما لنا آراؤنا، وأنه بإمكاننا الاستفادة من أخطائنا وأخطاء الغير، بشرط ألا نتخندق حول ما نقوله، ونعتبره الصواب المطلق، ونقصي ونهمش الآخرين وآراءهم، وألا تأخذنا في ذلك العزة بالإثم. إن الكنز الحقيقي في الحوار، المبني على احترام إنسانية الآخرين، هو في هذا الاختلاف، فالتجارب الإنسانية المختلفة، أسست لنا حضارة، ووضعت الخطوط العريضة لعلوم، لم يكن لنا نحن بني البشر أن نعرفها، لولا هذا الاختلاف، ذلك بعد إرادة الله سبحانه، وما المؤتمرات والمحاضرات التي تعقد في جميع أرجاء العالم، إلا مثال لهذا الحوار الهادف إلى بناء المجتمعات، والنهوض بالبلدان التي عاش بعضها ردحاً من الزمن، تحت وطأة الاستعمار، ونير الفقر، وندرة الثروات. فلو افترضنا جدلاً، أنه في إحدى المحاضرات أو الندوات تجادل أعضاء هذه المحاضرة فيما بينهم، حول فكرة أو رأي، وأصرَّ كل منهم على رأيه، وتعالت أصواتهم، وبدأوا يتبادلون التَّهم فيما بينهم. كيف سيكون المشهد؟ وماهي الفائدة من كل ذلك؟ وماهو الانطباع الذي سيخرج به المستمعون والمشاركون في هذه المحاضرة أو الندوة؟ بعد أن شابها هذا الصدام، واختلط فيها الحابل بالنابل. صحيح، لكل منا أفكاره التي يعزُّ عليه أن يتخلَّى عنها، ولكن ماهكذا تتعايش وتتلاقح الأفكار. يروى عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) وكلّما كان الإحساس بقوة أو ضعف، أو انعدام الأدوات، أوقوة الحجة، أوهشاشتها، في النقاش الناجم عن الاختلاف، في رأي أو موضوع معين، بين هذا أو ذاك، ظهر البون الشاسع بين حكيم عالم وبين سفيه ناقم، فالحكيم هو الذي يرد في الموضع الذي يستحق الرد فيه، دون الانجراف إلى وحل الإساءات، فرب كلمة أبلغ من خطاب.