لا يستطيع أحد أن ينجو من التحيّز نحو فكرة معينة أو رأي أو معتقد أو اتجاه، ولا يستطيع أن ينأى بنفسه عن التحيز العاطفي نحو الأشخاص والمواقف. والتحيز في مثل هذا النوع مطلب أساسي تقتضيه الحياة؛ فالباحث لابد أن يتحيز إلى تخصصه ويتقصى كل التفاصيل ويسعى إلى متابعة وملاحقة كل ما يتصل بهذا التخصص من معارف وأخبار؛ والموظف مطلوب منه أن يتحيز إلى عمله لكي يُركز جهده فيه ويُخلص له ويبذل ما يستطيع بذله لإنجاح المهمة التي يقوم بها؛ والوالد لابد أن يتحيز إلى عائلته ويهتم بهم ويوفّر لهم احتياجاتهم ويحرص على راحتهم وسعادتهم. الحياة تتسع للجميع ومجالات الخير والمنفعة متاحة كذلك للجميع والمزاحمة إن وجدت فيجب أن تقوم على المنافسة وليس على الغلبة وهناك من لا يجعل هذا النوع من التصرف يدخل في مجال التحيز، على أساس أن التحيز هو سلوك سلبي يبتعد عن العدالة والموضوعية. ولكن إذا علمنا أن التحيز هو ميل نحو شخص أو شيء فمن الطبيعي أن تكون الميول محكومة باعتبارات أخلاقية تجعلها تبتعد أو تقترب من المعيار الأخلاقي السليم. والتحيز يقوم على فكرة إعطاء شيء أو شخص الاهتمام والتركيز والجهد بشكل أكبر، وفي حال أدّى ذلك إلى سلب هذا الاهتمام والتركيز من أشياء أو أشخاص آخرين فإن هذا التحيز يدخل في المجال السلبي الذي ينافي الدقة. ومع أن الباحث مطلوب منه الإخلاص لفكرة معينة وتقصيها من جميع الجوانب ولكن لو صادف فكرة أخرى تُخالف فكرته فيجب عليه أن يُولي هذه الفكرة كذلك جُلّ اهتمامه، وفي حال تجاهلها أو قلل من قيمتها دون بحث أو تقصٍّ فإنه يقع في التحيز السلبي الذي يؤاخذ عليه في عمله. ودائماً ما يعجبنا الشخص الذي يُتقن عمله ويخلص إلى تخصصه الدقيق فيمهر فيه ويتميز في مجاله ويمكن وصف هذا الشخص بأنه متحيز إلى عمله أو فنه أو صنعته، ويقابله ذلك الشخص المشتت الذي يأخذ ويترك ويمسك ويرخي، وبقدر ما تجده في أكثر من مجال لا تجده في أيّ مجال لأنه موزّع بين أكثر من عمل وأكثر من اهتمام فيضيع تركيزه ويقل اهتمامه ولاينتج شيئاً متميزاً. ومن طبيعة البشر أنهم يميلون إلى ما يألفون ويتركز اهتمامهم بما يعنيهم ويشغل بالهم، فإذا جئت إلى سائق التكسي فإن كل اهتمامه منصبّ على عمله وتجد همومه تدور حول ما يواجهه من مشكلات تخص القيادة والزحام والأجرة والعراقيل التي يجدها في عمله؛ ولو قابلت بائع السمك فستجد أن لديه من المشكلات والهموم حول عمله ما لا يخطر على بال شخص من خارج هذا العمل؛ وهكذا نجد أن كل شخص له همّه الخاص الذي يشترك فيه معه غيره من أصحاب الاهتمام نفسه وتجد أنهم يشكلون فئة تكبر أو تصغر وتمثل قطاعاً مهماً من الناس الذين يشعرون أنهم مؤثرون في المجتمع. وكل فئة تحتفظ بخصائص وميول ورؤية للعالم نابعة من طبيعة العمل ومن الاهتمام الذي يعيشه المرء ويتعايش معه. ومن الحكايات القديمة التي تُروى أن هناك قطعة أرض أراد الحاكم أن يهبها لأحدٍ يفيد الناس بها؛ فتقدم إليه عدد كبير من الناس وكل واحد راح يعرض الخدمات التي يجد أنها هي الأهم والأنفع للناس؛ فتقدّم التاجر شارحاً كيف أن هذه الأرض سوف تستثمر في متجر يخدم الناس ويوفر لهم احتياجاتهم من المأكل والمشرب، ثم تقدّم المزارع موضحاً أن هذه الأرض سوف تزرع طوال السنة بالمزروعات والنباتات التي تثمر وينتفع الناس بها يومياً؛ ثم تقدّم الصانع موضحاً أنه سوف يبني مصنعاً ينتج الأدوات والمواد التي يحتاجها الجميع من تاجر ومزارع ونجار وحداد ويحتاجها الإنسان في كل أحواله؛ وبعد ذلك توالت الطلبات من أصحاب المهن الأخرى ومن الفنانين ومن الشعراء لإقامة أماكن للفن والشعر والمسرح؛ ثم تقدّم علماء يطلبون إقامة مدرسة للمعرفة، وتقدم أطباء يريدون بناء مشفى لعلاج الناس. وحينما رأى الحاكم كثرة المطالب وقوّة الحجج لكل طلب احتار في أمرهم وطلب منهم أن يتفاهموا جميعاً لكي يجد كل شخص مراده من خلال التعاون مع صاحبه، ولكنهم انتهوا إلى الخصام والتفرّق وتركوا الأرض كما كانت. والسبب يعود إلى أن كل فرد يرى الحياة من خلال منظاره الشخصي دون أن يسمح لنفسه برؤية الحياة من خلال منظار آخر. وفي الأمثال القديمة يقال «كلٌ يغني على ليلاه» في إشارة إلى أن لكل شخص اهتمامه وميوله التي تتحكم في رؤيته للعالم ومن بينها التحيز الذي يراه مناسباً لحياته. ويقال في الأمثال الشعبية النجدية «كلٍ يحوش النار على قريصه» للتعبير عن أن كل شخص يهتم بنفسه أكثر من اهتمامه بالآخرين؛ وهو ما نلاحظه في جلسات الحوار والمفاوضات التي تجري بين جهتين أو قطاعين أو حقلين من الحقول المعرفية؛ فتجد أصحاب كل فن من الفنون يميلون كل الميل إلى فنهم مقابل غمط حق الآخرين اعتقاداً منهم بأنّ هذا الفن أو هذا المجال هو الأحق بالاهتمام والرعاية والوجود، وقد يكون الأمر صحيحاً ولكن ليس على حساب فن أو مجال آخر، على أساس أن الحياة تتسع للجميع وأن مجالات الخير والمنفعة متاحة كذلك للجميع وأن المزاحمة إن وجدت فيجب أن تقوم على المنافسة وليس على الغلبة.