أسباب الموت عديدة، وقد تكون بسيطة وتافهة في بعض الأحيان إلا أنه من الصعب على الإنسان أن يرى نفسه أو يتخيلها عرضة للموت وخطر القتل بسبب العناد والغضب أو الرغبة في فرض السيطرة ولو كان ذلك في طريق عام وسريع لا يربطك بمن يسيرون فيه ويقطعونه إلا حق الطريق وآدابه. والحكاية التي سأرويها لكم ليست بجديدة بل إنها تكاد تكون مكررة ولولا تعرضي لها لمرتين في نفس الأسبوع وتزايد الذعر لدي من احتمال تكرارها لما فكرت يوماً بكتابتها، وليقيني بأن هنالك الآلاف المؤلفة غيري ممن مروا بمثل هذه التجربة التي أطرحها اليوم لعل وعسى أن تجد تفاعلا فتمس قلوب البعض ممن كانوا وراءها فلا يتكرر حدوثها. ليس بخاف على أحد الاختناقات والتجاوزات المرورية التي تتميز بها مدينة الرياض دون باقي المدن ولا الآداب التي تنتهك في طرقها بهدف الوصول وقطع الطريق دون أي اعتبار لمن كان يشارك في ذلك الطريق، والتي يصعب تفاديها من قبل السائقين المهرة المتمرسين في شوارع الرياض والخبيرين في طقوسها واختراقاتها، فما بالكم بالجديدين عليها المذعورين من زحامها واختناقاتها. وكذلك الحال كان مع سائقي الذي منّ الله علي به بعد انتظار طويل دام لعدة أشهر من الوعود والأيمان المغلظة من أصحاب مكتب الاستقدام الذي استعنا به فكانت النتيجة عامل نظافة كان يعمل في إحدى مدن الخليج تعلم فيها بعض فنون القيادة وجاء للرياض ليكمل تعليمه فيها، ولاحتياجي له ومع التدريب والصبر الطويل وبفضل الرخصة التي يحملها، أطلقنا له العنان في شوارع الرياض لحاجتنا الملحة لخدماته، وأحمد الله أنه كان من النوع القابل للتعلم ولكنه كان يعاني من بعض العيوب، التي من أهمها انه عندما يتخذ مسارا في الطرق السريعة يصعب عليه الانتقال لغيره فيظل ملتزما به حتى يصل لوجهته، حتى وان اضطرتنا الظروف وطبيعة الطريق لتجاوز المخرج الذي نريده لنعود له مرة أخرى؟ والعيب الآخر والأصعب هو أنه لا يحسن الدخول في الدوارات وخصوصا المزدحمة منها وعندما يدخل أحدها بصعوبة يخرج منه وقد يزف في أثناء ذلك بالصراخ والتزمير. أما العيب الأخير فهو أنه لا يحسن الوقوف في أماكن الوقوف ويلزمه وقت ليس بقليل ليخرج السيارة أو يدخلها وفي بعض الأحيان يخدش جوانبها أو يكسر المصباح الأمامي أو الخلفي منها، ومع ذلك فهو يعتبر سائقا مهذبا لا يعتدي على الطريق ولا يتجاوز غيره ولا يستعمل منبه السيارة إلا في أندر الحالات. ومع ذلك لا يسلم من ملاحظات (الملاقيف) وسبهم وربما بصقهم أثناء مجاورته لهم أو مروره بهم. لو كان الأمر قاصرا على السائق لما اشتكيت فأنا مقرة بعيوبه وأخطائه ولكني اعتب على السائقين غيره من قلة حلمهم وصبرهم وسرعة غضبهم. وكم تمنيت لو أن قوانين المرور تسمح بتعليق لوحة على الزجاج الخلفي للسيارة بأن السائق تحت التدريب، لكنت أول من يعلقها ولكتبتها بالألوان الفسفورية وأضفت عليها أن سائقي لايقصد أبدا تجاوز غيره ولا التكبيس عليه بالنور العالي ولا محادته أو إهانته فهو بريء ولا يقصد أبدا التحرش بغيره أو استفزاز كرامته. في الأسبوع الماضي كدت أتعرض لحادث لا تحمد عقباه بسبب أن سائقي لم يتمكن بسبب خوفه من الطرق السريعة وجبنه وقلة خبرته من تغيير مساره ليسمح لمن خلفه بتجاوزه، فما كان من ذلك السائق القليل الصبر السريع الغضب هداه الله إلا أن تجاوزنا من الجهة الأخرى مع التزمير عاليا ثم التحجيز على سائقي بحركات صبيانية بمحاصرته يمنة ويسرة ومع الاستعمال المفاجئ للمكابح بقصد إرباكه دون وضع أي اعتبار لمن هم معه بالسيارة ومن الخطر الذي قد يتعرضون له بسببه وقد استمر ذلك الاستعراض لمدة عشر دقائق ولو كان ذلك التصرف صادرا من مراهق أو شاب لالتمسنا له بعض العذر المشكلة أنه صدر من رجل في منتصف العمر وهو بصحبة عائلته وأطفاله فأي قدوة يمكن أن يقدمها ذلك الأب المستهتر لأبنائه وهو يعرض حياته وحياة أسرته ومن يشاركونه الطريق للخطر. وبعد ذلك بيومين تكرر معي موقف مشابه له، أخطأ فيه سائقي بأن ضغط على بوق السيارة لينبه السائق الذي يسير بمحاذاته حتى لا يقترب منه صحيح أن سائقي قليل خبرة وربما لم يكن الأمر يستدعي منه التزمير لغيره ولكن الأمر بجملته يعتبر تافهاً ولا يستدعي من ذلك السائق والذي كان أيضا بصحبة عائلته ليلحق بنا ويطالب سائقي بالوقوف وفتح نافذته ليسمعه بعض السباب وليشير لنا بقبضته في استعراض غبي للقوة وكأن في حركاته تلك انتصاراً لكرامته التي أهدرها سائقي بتصرفه الأحمق وإرجاعاً لهيبته التي هزها سائقي أمام أبنائه. إن مثل هذه النوعية من السائقين الذين يفتقدون للذوق العام ولمبدأ التسامح ولكظم الغيظ والعفو عن المخطئ هم سمة مزعجة في الكثير من شوارعنا وطرقنا يزيدهم تماديا إغفال المرور لتجاوزاتهم واستهانتهم الدائمة بمن يرونه أضعف منهم أو أقل منهم، فبالله عليكم هل هذه من شيم الرجال؟