وزير الثقافة يثمّن موافقة مجلس الوزراء على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية    التوعية طريق الوقاية ضد الحزام الناري    جنودنا الأبطال.. حكاية فخر يرويها الوطن    مؤشرات الأسهم الأمريكية تغلق على تباين    النفط ينخفض 7 % مع توقعات أميركية بخفض التصعيد في الشرق الأوسط    البحرين تعلن اعتراض وتدمير 106 صواريخ و 176 طائرة مسيرة منذ بدء الهجمات الإيرانية    خروقات إسرائيلية جديدة شرقي غزة    البديوي: وحدة الموقف الخليجي مصدر قوة لدولنا    الفتح يفتح ملف الهلال    أمير نجران يدشّن جمعية نبض رياضي لتعزيز الوعي الرياضي وتحسين جودة الحياة    سباق القمة    «ديربي جدة» يتصدر المشهد ب50 ألفاً    أمير الشمالية يدشّن "مواردنا"    أمير المدينة يفتتح مبنى إداري "تكافل"    «اقتران الثريا» تقويم البدو الذي كسره دفء شتاء 26    سعود بن نايف: العناية بالقرآن وأهله نهج راسخ للمملكة منذ تأسيسها    مجمع الأسيال.. قلب أودية المدينة    هتون الشريف: النص الجيد نجم رمضان    قباب ومظلات المسجد النبوي.. تحف معمارية متحركة    أطباق الجيران.. محبة وتكافل    ياعلمنا نحتفي بك كل عامي    «الوعي المفرط» يستنزف الطاقة النفسية!    تقرير الحكم ينقذ «توني» من العقوبات    السعودية أنموذج فريد للتلاحم الوطني    المملكة تدين استهداف قنصلية الإمارات في كردستان    قلل من تصريحات ترمب.. لاريجاني: إيران لا تخشى «التهديدات»    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: الاعتداءات الإيرانية الآثمة إصرار على تهديد الأمن والاستقرار    مركز الملك سلمان يواصل مشروعات «سلة إطعام»    «الداخلية»: الإبلاغ عن المتسولين واجب وطني    «ناسا» تحذر من أمراض «مريخية» تهدد الأرض    82.08 مليار ريال أرباح الربع الرابع.. 392.5 مليار ريال صافي دخل أرامكو السعودية عام 2025    رفع جاهزية المختصين لتلبية متطلبات السوق.. «سدايا» تؤهل الكفاءات بأنظمة الذكاء الاصطناعي    من قصر الخريمة إلى السور.. زوار ليالي الدرعية يكتشفون تاريخًا متجذرًا وتجربة أصيلة    يحفظونها عن ظهر «حب»!    «ثروناو».. كوميديا تنبع من الموقف لا الافتعال    سخروا كل الإمكانات من أجلنا    اعتزازاً بقيمه الوطنية.. السعودية تحتفي «بيوم العلم»    اللهم اجعله بلداً آمناً    «الحج »: الالتزام بمسارات الطواف يسهم بتنظيم الحركة    وزير الخارجية يبحث التطورات مع نظرائه بعدة دول.. اجتماع عربي- إسلامي- أوروبي يناقش الاعتداءات الإيرانية    غلطة سراي يتفوق على ليفربول في ذهاب ثمن نهائي أبطال أوروبا    «بكتيريا آكلة الأورام».. ابتكار جديد لعلاج السرطان    أمير تبوك : ذكرى يوم العلم مناسبة نستلهم فيها بكل فخر واعتزاز قيمة العلم الوطني ورمزيته ودلالاته الوطنية    آل طوق إلى المرتبة العاشرة ببلدية أحد رفيدة    أنهت أمانة منطقة تبوك والبلديات التابعة لها استعداداتها للاحتفاء بيوم العلم السعودي الذي يوافق الحادي عشر من مارس من كل عام    تدشين مشروع "ثمرة " لدعم المزارعين بظهران الجنوب    تفاوت أسعار الخضار والفواكه بين البقالات والأسواق الكبرى    4 مرتكزات للخدمات بالمسجد الحرام    أحياء جازان مطابخ شعبية    وطن يستظل بسيف العدل وكلمة التوحيد    موعد جديد لمباراة النصر والوصل    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشن جناح المملكة في معرض لندن للكتاب 2026    مجلس الوزراء: الموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية    نائب أمير جازان يطّلع على مبادرات إدارة الإعلام والاتصال المؤسسي بالإمارة    السعودية: إيران تبرر عدوانها بادعاءات واهية وستكون الخاسر الأكبر حال تصاعد التوترات    تخصص حياة الطفل.. حكاية علم إنساني    هل يكفي التفويض؟    اليوم ال 10 يشعل الخليج ويدفع النفط إلى حافة 120 دولارا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المعرفة البالية والمعرفة المتقدمة

تعتبر المعرفة أحد أهم الأسس العملية للثروة الثورية وهي من أسرع مكونات وأسباب التغيير في المجالات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. ولهذا فإن عملية المقارنة بين مصادر الثروة التقليدية مثل النفط ومصادر الثروة المعتمدة على المعرفة تعتبر مضللة لأن القواعد والأسس التي يقوم عليها كل منها مختلفة عن الأخرى بصورة جوهرية. فعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة عقود على نشأة اقتصاد المعرفة إلا أن المعرفة الكامنة وراءه مازالت غامضة عند جمع كبير بمن في ذلك علماء الاقتصاد الذين لهم باع طويل في التنظير للاقتصاد التقليدي فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد:
ان تقدير الاحتياطيات لمصادر الثروة التقليدية ممكن بل إن كثيراً منه أصبح معروفاً وفي المقابل لا نجد أحداً يعرف أو يستطيع أن يحدد كم يعرف العالم أو كيف تتغير كمية المعرفة المنتجة أو ما هي قيمتها مع أن كثيراً من اقتصاديات الحاضر والمستقبل تقوم على المعرفة ومفرداتها حتى أن أغلب فعاليات الثروة التقليدية أصبحت تستفيد وتطبق مخرجات المعرفة في كثير من وسائل انتاجها وتطبيقات مخرجاتها وذلك في سبيل تحسين الجودة وخفض التكلفة أو زيادة الانتاج.
إن اللهاث خلف مخرجات التقنية والاستفادة من مظاهرها الخارجية لا يعتبر تقدماً وذلك ان التقدم المعرفي يكمن في استيعاب المعرفة والقدرة على انتاجها وتطويرها وتصديرها والاستفادة من عوائدها
إن المعرفة يمكن أن تكون ذات بعد فردي وذلك مثل معرفة الطبيب والمؤلف والمهندس والكيميائي والصيدلي وغيرها من التخصصات التي يجيدها الفرد. وقد تكون المعرفة ذات أبعاد مؤسسية وذلك مثل الشركات المتخصصة والمصانع والمعاهد والجامعات والمختبرات فلكل منها دور في انتاج أو تعليم أو بحث ما نحتاج إليه أو ما يحتاجه المجتمع أو الاقتصاد أو الأمن من معارف والعمل المؤسسي يتم بصورة جماعية تكاملية ولذلك يتم الانتاج بصورة أكثر كثافة وغزارة وكفاءة، ولذلك يتم الانتاج المعرفي ويتطور بصورة تراكمية ومن هذا المنطلق نجد أن ما يتم انتاجه يتقادم بصورة سريعة بسبب التقدم المعرفي الذي يزداد على شكل متوالية هندسية، إن المعارف التي توصل إليها الإنسان منذ نشأته الأولى على سطح الأرض وكذلك المعارف التي تم التوصل إليها عبر العصور أو ما يتم التوصل إليه في الوقت الحاضر أو المستقبل. تم أو يتم خزنها، إما في جماجم بني البشر وإما على شكل آثار ومخطوطات وكتب أو على شكل معلومات رقمية في أقراص مدمجة والكل أصبح يشكل إرثاً إنسانياً يبلى بعضه ويتجدد بعضه ويكتشف زيادة عليه مع استمرار الإنسان في عمليتي البحث والتطوير اللتين تمثلان المصدر الأساسي للمعرفة التي تتشعب وتتفرع لتغزو كل فرع وزاوية من مكونات حياتنا المعاصرة، ولقد سهل الانترنت عملية التواصل مع المعرفة وصناعها على مستوى الفرد والجماعة وكذلك المؤسسات. كما أن الإعلام بجميع قطاعاته ووسائله مدعوماً بتطور قطاع الاتصالات أصبح له دور فاعل في تعزيز نشر المعرفة و اكتسابها ناهيك عن أن تضافر تلك الوسائل الحديثة وسهولة استخدامها قد وسع وعمق ثقافة المعرفة وولد رغبة عارمة للاستفادة من مخرجاتها..
وفي الحقيقة فإننا اليوم ننعم باستخدام كثير من مخارج المعرفة وتطبيقاتها دون أن ندرك كنهها أو نكون مشاركين في انتاجها مما جعل من دول الجنوب أو ما يسمى بالعالم الثالث سوقاً استهلاكية لمنتجات العالم الأول ومعارفه. وللأسف فإن تلك الفجوة المعرفية تزداد اتساعاً مع بزوغ فجر كل يوم جديد..
ان مختبرات الجودة والبحث والتطور في الشركات والمصانع والجامعات تولد معارف وتجمع معطيات بسرعة لم تألفها البشرية من قبل ولهذا عمد العالم إلى بناء أجهزة حاسوب متقدمة تستطيع تخزين كميات هائلة من المعارف والعلوم. هذا وقد وجد باحثون في مدرسة إدارة المعلومات والنظم في جامعة كاليفورنيا بيركلي ان كمية المعطيات والمعارف المخزنة في شكل مطبوعات أو أفلام أو أشكال ممغنطة أو بصرية بلغت عام (2002)م وحدها ما يعادل محتويات (500) ألف مكتبة من حجم مكتبة الكونجرس وقالوا إنها تعادل كل الكلمات التي نطق بها الإنسان منذ أن أوجد على سطح الأرض.
أما إذا أخذنا بعين الاعتبار التطورات المتسارعة والمتلاحقة في عالم المعرفة فإننا سنجد أن ما تم انجازه في هذا المجال حتى الآن لا يعدو شيئاً بالمقارنة مع ما سوف يتم الوصول إليه بعد عقد أو عقدين من الزمن إذا سلم العالم من نزوات المجانين التي قد تستخدم المعرفة كوسيلة للدمار بدلاً من استخدامها للإعمار وذلك مصداقاً لقول الشاعر:
فأف على العلم الذي تدعونه
إذا كان في علم النفوس رداها
وعلى العموم فإن المعرفة الإنسانية تظل محدودة وتظل مطلب دعا الخالق عز وجل إلى الاهتمام بها والبحث فيها وبعد ذلك وقبله يظل فوق كل ذي علم عليم.
نعم إن اضافة ومزج المخزون الخارجي من المعرفة إلى المخزون الداخلي المحتضن في أدمغة بني آدم هو المسؤول عن تفجر المعرفة وهو المسؤول عن المحصلة المعرفية الإجمالية التي تشكل خريطة طريق لمستقبل الإنسان. وذلك ان ذلك النبع المعرفي سوف يشكل مصادر تغذية للثروة الثورية التي سوف يحظى بها الإنسان الواعي والمدرك لإبعادها وفوائدها والتي سوف تفتح الباب على مصراعيه لهيمنة الأقوى على الأضعف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما يفتح باب المنافسة ويؤجج الصراع والاحتكار بين مختلف القوى ومع ذلك فإن المصالح تفرض أنواعاً من التعاون والتبادل المعرفي فالمصلحة هي الأقوى في جميع أنواع الصراع أو التعاون لذلك تسعى القوى المختلفة إلى جعل الهدف المتمثل في تحقيق الثروة الثورية يتم الوصول إليه من خلال تبني سياستين متزامنتين أحدهما يتمثل في توسيع دائرة المعرفة والآخر يشمل تغيير طريقة تنظيمها وتقويمها وانتاجها وتوزيعها. وهذا يعني ان الأساليب القائمة حالياً سوف يحل محلها مناهج وطرائق بديلة مما سوف يؤدي إلى الانتقال إلى ما بعد النظام المعرفي العالمي القائم حالياً. وهذا بالطبع لن يستطيع تحقيقه إلا من يملك العقول والمؤسسات البحثية والتعليمية القادرة على تحقيق المنافسة من أجل الوصول إلى ذلك الانجاز.
إن توظيف العقول النيرة واحتضان أصحاب المواهب الفذة والتخلص من الذين يعيقون الحراك المعرفي بتمسكهم بمعارف بالية ومقولات مثبطة وسلوكيات مترهلة وإدارة متقادمة وفكر متوقف وتجربة متحجرة هي المفتاح إلى تحقيق التقدم المعرفي خصوصاً إذا دعا بتعليم عام وعالٍ ومؤسسات بحثية على درجة عالية من المهنية والجودة والقدرة على المنافسة والتقويم الذاتي الذي يكون شفافاً وصادقاً تديره إرادة تغيير صادقة، إن أكبر مسببات تعثر التعليم في أية دولة من الدول هو الحشد والتلقين والبعد عن التطبيق مما يجعل المتلقي يظل واقفاً عند جذع شجرة العلم دون تسلقها واستشراف الأبعاد المحيطة بها وادراك ما سوف تؤدي إليه براعم نموها وما سوف تؤول إليه ثماره من فتوحات علمية تسعد بني البشر.
إن اللهاث خلف مخرجات التقنية والاستفادة من مظاهرها الخارجية لا يعتبر تقدماً وذلك ان التقدم المعرفي يكمن في استيعاب المعرفة والقدرة على انتاجها وتطويرها وتصديرها والاستفادة من عوائدها.
نعم ان الله خلق بني آدم على الفطرة فكل المعارف التي يحظى بها الإنسان مكتسبة وليست موروثة مما يعني ان الفيصل بين التفوق والاخفاق مسألة إرادة وتربية ونظم وأساليب تعليم وتعلم وبعد ذلك وقبله تشجيع وتطبيق مع التزام ومنافسة تجعل البقاء للأفضل وكل ذلك ممكن ومتوفر إذا خلصت النية وصلح العمل. ومع ذلك تظل المعرفة تتغير بسرعة متناهية ولذلك فإن البدء من حيث انتهى الآخرون وجعل ذلك مقروناً بتجديد وتحديث أساليب التعليم واستمرار التدريب والتعلم على رأس العمل يعني ان التعلم أصبح اليوم عملية مستمرة لا تتوقف ولم تعد مقتصرة على ما تم تعلمه في مراحل التعليم المختلفة (اطلب العلم من المهد إلى اللحد) والسبب ان لكل نوع من المعرفة فترة حياة محددة بعدها تصبح بالية بفضل اكتشاف ما هو أفضل منها. ناهيك عن أن هناك كثيراً من الحقائق والنظريات والمعارف في مجالات عديدة مثل الطب والبيئة والتسويق والاستثمار وغيرها من المعارف أصبحت بالية وخارج نطاق الزمن وعلى العموم فإن المعرفة البالية مازالت تشكل جزءاً كبيراً من قاعدة المعرفة عند كل فرد وفي كل عمل ومؤسسة ومجتمع مما يتوجب تحديث المعلومات والمعارف عن طريق استمرار التعلم والاطلاع والتدريب لأن تلك الأساليب تسرع عملية الانتقال من المعرفة البالية إلى المعرفة الحديثة مما يضمن حسن التواصل مع المجتمع المعرفي الحديث ويضمن اتساق معارفه مع الزمن الذي يعيش فيه ناهيك عن أن ذلك يشكل ضمانة لأمنه واقتصاده واستقراره ورفاهيته. والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.