يركّز متحف "اللوفر" في باريس على مرحلة مهمّة من فنون عصر النهضة الإيطالية من خلال معرض جديد يعتبر من أهم الأحداث الفنية لموسم الخريف في باريس. المعرض بعنوان "تيسيانو، تينتوريتو وفيرونيزي، منافسات فنية في مدينة البندقية". لقد كان الفنّانون الثلاثة من كبار فناني القرن السادس عشر في مدينة البندقية وهو العصر الذهبي للفنون في تلك المدينة التي لعبت، إلى جانب بقية المدن الإيطالية ومنها فلورنسا وروما، دوراً رائداً في النهضة الثقافية والفنية الأوروبية بعد مرحلة القرون الوسطى. وعلى الرغم من انقسام إيطاليا إلى دويلات وممالك فإنّ مدنها كانت الحاضنة للتيارات الفنية الجديدة التي تمرّدت على قيم مرحلة القرون الوسطى وأسّست لجمالية مغايرة عكست علاقة جديدة مع الطبيعة والبشر والأساطير والتراث الديني. يعدّ الفنانون تيسيانو، تينتوريتو وفيرونيزي من ممثلي هذه التيارات الفنية، وثمة عوامل عدّة ساهمت في تكوينهم ومكّنتهم من إنجاز أعمالهم المميزة. من تلك العوامل، النظام السياسي الخاص الذي خضعت له مدينة البندقية، وكذلك هيمنة مجموعة من العائلات الثرية التي تمتعت بنفوذ كبير وكانت تطلب من الفنانين إنجاز جداريات لقصورها ومكتباتها وكنائسها مما ولّد حركة تنافس بين تلك العائلات، لكنه التنافس النبيل الذي دفع بالفنانين إلى تطوير أدائهم لبلوغ أقصى الطاقات، وهذا ما يكشف عنه المعرض الذي يقام حالياً في متحف "اللوفر". يتناول المعرض نتاج تيسيانو الذي عمل في مطلع حياته، عند بداية القرن السادس عشر، مع الفنان جيورجيوني وتأثّر بأسلوب رسمه للطبيعة. وعند وفاة هذا الأخير بسبب مرض الطاعون، كان تيسيانو قد أصبح فناناً شهيراً فعهدت إليه الشخصيات الرسمية في البندقية إنجاز لوحات جدارية للكنائس. كان تيسيانو الوريث الروحي لجيورجيوني وقد أكمل مسيرته الفنية في البداية. لكن بعد تمكّنه من استيعاب أسلوب معلّمه استيعاباً كاملاً، ابتكر أسلوبه الخاص الذي تجسّد في روائعه الفنية ومنها لوحات البورتريه التي رسم فيها الشخصيات الشهيرة ومنها الباباوات والإمبراطور شارل الخامس. ا من جهته، اهتم تيسيانو بأبطال الأساطير الإغريقية والرومانية واستطاع من خلال تصويرهم أن يُظهر الإنسان بصفته محركاً للأحداث مركّزاً على صراعه مع نفسه ومع الآخرين من جهة، ومع عناصر الطبيعة من جهة ثانية. هذا البعد الإنساني في أعماله جعل بعض النقاد يشبّهونه بشكسبير. تحضر المرأة أيضاً وبقوّة في أعمال تيسيانو، فهي رمز الجمال كما في لوحة "فينوس والمرآة" أو في لوحة "حفلة موسيقية في الطبيعة". ومهما تنوعت المواضيع التي عالجها تيسيانو فإنّ ما يجمع بينها هو متانتها التشكيلية وقوة تأليفها وتوزيعها المميّز للضوء والظلّ واستعمالها المدهش للألوان. يركّز المعرض على السنوات الأخيرة من نتاج تيسيانو وهي مرحلة النضج الفني وقد كان لها تأثير قوي على عدد كبير من فناني البندقية ومنهم تينتوريتو وفيرونيزي اللذان يحضران أيضاً في المعرض. ويمثّل الاثنان عصراً كانت فيه البندقية عاصمة فنية وتجارية من الطراز الأول. وتعكس أعمال تينتوريتو أجواء الفنّ الايطالي والتحولات التي عرفها بعد الصراعات التي أحدثتها حركة الإصلاح البروتستانتية والتي كانت من العوامل التي ساهمت في ظهور الفنّ الباروكي وهو فنّ يتميز بالزخارف والحرّية في الشكل والمبالغة في وصف التعابير البشرية، كما يضفي أجواء مسرحية على المشاهد. تطالعنا هذه الأجواء المسرحية أيضاً في أعمال فيرونيزي الذي عُرف بحبّه للتفاصيل ورسم العناصر المعمارية كما في لوحته "عرس قانا" وهي من مقتنيات متحف "اللوفر". وهذا المتحف يفتتح موسمه الثقافي الجديد بالاحتفاء بفنّانين تركوا أثرهم العميق في فنون النهضة الإيطاليّة ومهّدوا لبعض حركات الفن التشكيليّ اللاحقة.