شهد السوق في الأسابيع القليلة الماضية تقلبات حادة كان اغلبها سلبي الاتجاه وجاءت في معظمها مصحوبة بتأثيرات خارجة عن الشركات المكونة للسوق. وبكل وضوح، توجهت أصابع الاتهام إلى هيئة السوق المالية بسبب التنظيمات الجديدة التي سنتها مؤخرا. عندما سنت هيئة السوق المالية سلسلة من التعديلات الجوهرية على اللوائح المنظمة لأداء السوق التي شكلت تغييرات تاريخية وجوهرية على هيكل وأداء السوق، لم تترك لمؤيديها ما يشفع لهم على الاستمرار في دعمها. وهذا ليس مرده جدوى تلك التعديلات التي تعد ايجابية بلا شك، ولكن بسبب الطريقة التي خرجت بها تلك القرارات وتواترها خلال فترة وجيزة بشكل مفاجئ أربك جميع فئات السوق. ومن ابرز هذه القرارات، التعديل على الفقرة (أ) من المادة الثامنة عشرة من لائحة حوكمة الشركات، وقرار قائمة كبار الملاك، وقرار تغيير وحدة التذبذب، واخيرا قرار فتح باب الاستثمار للاجنبي غير المقيم. تشترك أول ثلاثة من تلك القرارت في ميزة هامة وهي انها موجهة لفئة كبار الملاك في السوق السعودي بشكل مباشر. @ تعديل لائحة حوكمة الشركات التعديل على الفقرة أ من المادة الثامنة عشرة من لائحة حوكمة الشركات موجهة مباشرة لاعضاء مجالس الادارات، وينص على عدم جواز ان يكون لعضو مجلس الادارة "مصلحة مباشرة او غير مباشرة في الاعمال والعقود التي تتم لحساب الشركة ..." مع استثناءات محدودة فصلها نص الفقرة المعدل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه اللائحة التي صدرت اواخر عام 2006ظلت منذ ذلك الحين لائحة استرشادية. أي ان الشركات لاتحاسب على عدم تطبيقها مالم يصدر نظام أو لائحة جديدة او قرار من مجلس هيئة سوق المال يجعل هذه اللائحة أو بعض فقراتها ملزمة للشركات. ولكن توجد فقرة واحدة من هذه اللائحة تحاسب الشركات على عدم تطبيقها، وهي فقرة تلزم الشركات الإفصاح بشكل دوري ضمن تقرير مجلس الادارة عن "ما تم تطبيقه من هذه اللائحة الاسترشادية ومالم يطبق والاسباب التي ادت الى تأخير تطبيقها." اي ان اللائحة استرشادية لفترة مؤقته، والتعديل عليها في هذا التوقيت المتزامن مع تعديلات اخرى جوهرية يوحي بأنها قد تصبح اكثر من مجرد استرشادية فقط. فربما تبدأ الهيئة في تحويل بعض فقراتها الى الزامية. وهذا يعني ان بعضاً من الشركات المدرجة حاليا ستتعرض لمخاطر جراء عدم قدرتها على الالتزام بهذه اللائحة. ويعزز هذا الاحتمال الغرامات المالية التي فرضتها الهيئة مؤخرا على عدد من الشركات. وهذا يعني ايضا ان الهيئة تكاد تكون انتهت من التنظيمات الفنية في هيكلة السوق وانتقلت بنشاطها التطويري جهة الشركات المكونة للسوق. وهذا التوجه ربما يكون مبررا لهبوط اسهم الشركات التي لم تكمل بعد الوفاء بمتطلبات لائحة حوكمة الشركات. بالمناسبة، من المعيب على اي شركة مساهمة ان تجبر على تطبيق الحوكمة، فالشركات التي تستهدف حقا النمو والاستمرار يكون من اولويات تأسيسها اعداد لائحة حوكمة داخلية. وهذا للاسف لا نجده الا في شركات لاتتعدى 30% من السوق السعودي. @ قائمة كبار الملاك هذا التعديل الجوهري كان مسبوقا بقرار الأسهم الحرة والاسهم المقيدة الذي كان من متطلبات اقرار المؤشر الحر. الاخير حاصر كبار الملاك ( الفاعلين في السوق) بحاجز ملكية 10% ثم جاء قرار قائمة كبار الملاك ليضيق الحاجز الى 5%. ورغم أن القرارين يصبان في مصلحة السوق ويخدمان رفع مستوى الشفافية اللازمة لجودة ادائه، الا انهما تربكان اداء فئة كبار الملاك وهم القوى الفاعلة في حركات السوق الرئيسية . هذا يعيدنا لاخر عهد الادارة السابقة لهيئة سوق المال التي اعتبر في حينها ان اكبر سلبياتها التي اودت بكارثة على السوق كانت استعداء كبار الملاك بقرارات مشابهة للقرارت الحالية. ردة الفعل المصاحبة للقرارين توحي ان الادارة الحالية للهيئة لم تتعلم من درس سابقتها. وهذا التضييق هو مبرر محتمل للجوء كبار المضاربين الى اسهم الشركات الضخمة ذوات رأس المال الملياري التي تضيع فيها نسبة الخمسة بالمائة. ولعلنا نتذكر ان تلك الشركات شهدت تحركات لافتة للنظر في الاسابيع التي سبقت موجة النزول الحالية. واشتركت تلك التحركات في صفة هامة، وهي ان مرحلة التصريف في نهايتها كانت حادة ومتسارعة بطريقة توحي ان صانع فقد السهم فقد السيطرة عليه. ولهذا السقوط الحاد في اواخر مرحلة التصريف دلالة محتملة يمكن استشفافها اذا اخذ بالاعتبار حاجة المضاربين المحركين لتلك الأسهم الى تسهيلات بنكية. فهل تحولت تلك التسهيلات وبالا عليهم يفسر اختفاءهم حاليا؟ ويفسرعدم قدرتهم على الظهور او البقاء طويلا في قائمة كبار الملاك؟ @ تعديل وحدة تغير الأسعار أما قرار تعديل وحدة تغير الأسعار والنطاقات السعرية الجديدة، كان من المفترض ان يكون مبررا بتجزئة للقيمة الاسمية للاسهم لكي يصبح القرار عادلا لجميع فئات المتداولين. أما تطبيق القرار دون تجزئة الأسهم (او على الاقل خفض عمولة البنوك) يجعل المستفيد الاكبر منه ذوي السيولة الكبيرة، والبنوك، فيما تصبح الفائدة اقل لمن يملك سيولة صغيرة لان العمولة ستلتهم جزءاً كبيراً من الارباح. أهو مصالحة مع كبار الملاك على حساب الصغار؟ فالقرار بصيغته الحالية سيشكل بيئة طاردة للسيولة الصغيرة وفي نفس الوقت سيشعل المضاربات اليومية للكبار في نطاقات محدودة على الأسهم دون 25ريالا. مما يمنح صانع السوق فرصة للربح اليومي دون الحاجة لقفزات سعرية. ويبدو القرار مفيداً جدا للاسهم دون 25ريالا لان هذا المدى الواسع من التذبذب سيحررها من جمودها الحالي وسيعطي مجالا للمناورة اليومية فيها وتحقيق ارباح يومية منها. وبالتالي عودة النشاط المضاربي لتلك الاسهم. وربما يجد كثير من صغار المضاربين هذا التغير مربكا في اول الامر ولكن ستظهر اثاره بعد مضي فترة على تطبيقه. كما أن هذا التعديل يفتح نافذة لشركات الوساطة لاجتذاب صغار المتداولين بالعمولات المخفضة، واذا كانت المنافسة فعلا متكافئة في سوق الوساطة المالية فمن المفترض ان نرى تسابقاً بين الوسطاء في تخفيض العمولة. (بالمناسبة، ربما تفاجئنا الهيئة قبل يوم 913وتعلن قرار تطبيق التجزئة في نفس يوم تغيير وحدة التذبذب كما حدث مع المؤشر الحر الذي توافق مع القطاعات الجديدة) @ دخول المستثمر الاجنبي وبعد ذلك بفترة وجيزة، اصدرت الهيئة قرار السماح للمستمثر الاجنبي بالتحرك في السوق السعودي. وكانت صيغة ذلك القرار مختصرة وتتضمن مصطلحا اجنبيا بدا للغالبية جديدا ومجهولا، وكان يستحق اكثر من السطر التي حاول ايضاحه. وكأن الهيئة تطبعت على التوجه الى فئة كبار الملاك ولم يعد ضمن افقها حاجة المتداول العادي الى "توعية" بتبعات واثار هذا القرار على اداء السوق. وهذا فيه تناقض واضح مع اهداف الهيئة المعلنة في سعيها ل"توعية" المتداولين، خصوصا في موضوع حساس مثل هذا. وهذا القرار يفتح بابا للمخاطر على السوق جعلت مفاتحه بيد شركات الوساطة والبنوك. ونظرا لشح المعلومات عن هذا القرار الجسيم لم نعرف ماهو دور الهيئة الرقابي على هذا الباب وعلى تلك الشركات التي اثبتت التقارير الاستثمارية التي صدرت عنها، وقرارت شطب الهيئة لبعضها، ان كثيرا منها لم يثبت بعد مصداقية كافية تؤهل لمثل هذا الدور الحساس. الاجراء الرقابي المعلن من طرف الهيئة لا يتعدى الموافقة على الاتفاقية المبرمة وتقديم تقرير شهري ترسله شركات الوساطة التي ابرمت اتقاقيات تبادل منافع مع الاجانب. جوانب كثيرة مازالت غامضة في هذا الشأن بالتحديد. فلا نعرف هل يحق للمستثمر الاجنبي غير المقيم ان يكتتب في شركات الطرح الاولي؟ وهل يحق له ان يشتري في اسهم القيادة، والسيادة، مثل البنوك والتأمين والاتصالات، ام يحظر عليه ذلك كما هو الحال مع الاجانب المقيمين؟ وهل هناك سقف اعلى للكميات المسموح بشرائها بحيث يكون حماية للشركات المحلية من الاستحواذ الجائر؟ يحق لنا ان نطرح كثيراً من الاسئلة بخصوص هذا القرار خصوصا بعد النزول القاسي الذي تعرض له السوق في يوم السبت 2008/9/6، خصوصا ان ذلك النزول كان سببه الاساسي موجة البيع الجائرة على سهم سابك. فهل كان لهذا البيع علاقة بصفقتي الشراء خارج السوق التي تمت على سهم سابك يومي الثلاثاء والاربعاء. بلغت قيمة الصفقة الأولى 192مليون ريال بسعر 128ريالا في وكان سعر السهم يتداول حينها عند مستوى 123ريالا، بينما بلغت قيمة الصفقة الثانية أكثر من 466مليون ريال بسعر 125ريالا، في الوقت الذي كان سعر السهم يتداول عند مستوى 122.50ريالاً، ومجموع قيمة الصفقتين 658مليون ريال أي ما يعادل 175مليون دولار، ولم يصدر اي اعلان من اي جهة رسمية عن هذه الصفقات عكس ما تعودنا عليه في صفقات مشابهة. وكان من المفترض ان تحدث هذه الصفقات ردة فعل ايجابية على سهم سابك إلا إذا كانت تلك الكميات استخدمت لضغط السوق من اجل الشراء بأسعار أقل في سابك نفسها وفي بقية الأسهم التي جرتها سابك معها للاسفل. هذه التساؤلات مشروعة، وواردة ولايفندها الا الشفافية التي نفتقر اليها كمتداولين بالذات فيما يخص دخول المستثمر الاجنبي. كيف لا ومعظم انهيارات اسواق الأسهم العالمية سببها السيولة الساخنة من الخارج. وختاما، وبالرغم مما ورد اعلاه، الا ان الهيئة ابدت جرأة في تحمل السخط الجماهيري ازاء التنظيمات ويحسب لها شجاعتها في الاصرار على دفع عجلة التطوير بسرعة حثيثة رغم كل ما اعترى ذلك من هنات. وجدير بمن يهمه مصلحة السوق ان يكون من المؤيدين لتلك الخطوات حتى لو كانت ردات فعل السوق ازاءها عنيفة. فردات الفعل تحدث تأثيرات وقتية ماتلبث ان تزول. كما أن بعضها ربما كان مفتعلا من قبل صناع السوق من اجل الشراء بالاسعار التاريخية الحالية، التي لم يشهدها السوق منذ عام 2001. عبدالرحمن ابراهيم السماري محلل فني معتمد دوليا، زميل إليوت ويف العالمية