منذ أكثر من ستمائة عام، وتحديدًا سنة 850ه/1446م، استقرّ الأمير "مانع المريدي" - الجدّ الثالث عشر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - في بلدة "الدرعية" التي سُرعان ما صارتْ إمارة على يدي حفيده الأمير "مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع" في أول القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، ثم أضْحتْ عاصمة للدولة السعودية حين قيامها سنة 1139ه/1727م على يدي الإمام محمد بن سعود (ت1179ه/1765م)، مؤسّسًا بذلك ما غيّر وجه تاريخ المنطقة بإقامة الدولة السعودية . لأجل هذا، فإن إحياء ذكرى يوم التأسيس على يدي الإمام محمد بن سعود يحمل أبعادًا إقليمية وأخرى دولية أراد الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله - تِبْيانها للمراقبين الخارجيين للشأن السعودي، ومفاد تلك الأبعاد أن هذا الكيان الراسخ قد قام سنة 1139ه/1727م على أساس الوحدة الوطنية لأبناء الوطن الذين اجتمعوا تحت قيادة حكيمة ناصحة ، وضعتْ حدًّا للضُّعف والانقسام الذي عانتْ منه المنطقة لأسباب عديدة، كما أن هذا الكيان منذ تأسيسه قد اتّسم حُكمه بالاستقلال السياسي وعدم الولاء لأي قوة إقليمية أو دولية مهما عظُمتْ، لأن سياسة الإمام المؤسّس الأول محمد بن سعود - ثم مَن لحقه مِن بعده من الأئمة والملوك الكرام - هو خدمة شعبه ومناصرة الحق والضعيف حيثما كانا، والبحث عن السلام والتعاون مع جميع من مدّ يده لهذا الهدف النبيل على المستوى الإقليمي والدولي. إنّ ما طمح إليه الإمام محمد بن سعود من استقرار وتقدّم في المنطقة وعموم شبه الجزيرة العربية بإقامة دولته سنة 1139ه/1727م بعد أن نقل الدرعية من "المدينة " إلى "الدولة" بمفهومها الكبير وهويتها المستقلّة، وهو ما أراد الملك سلمان-حفظه الله - إحياءه عندما اصدر الأمر الملكي في 27 يناير سنة 2022م بجعل تاريخ 22 فبراير من كلّ عام يوم ذكرى لتأسيس الدولة السعودية، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدلّ على بُعد نظر عميق لهذا الملك المفدّى، وهو بفكره الثاقب قد أحيا - بتوفيق الله تعالى - حِقْبة زمنية هامة من تاريخ المملكة العريق، وربطها بالوضع الدولي الراهن شديد التقلّب والاضطراب، ليُظهر للجميع - إقليميًّا ودوليًّا - أنّ المملكة ذات إرث ثقافي وتاريخي عريق،وأنّ الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية هو أساسٌ قائمٌ على منهج ديني واجتماعي وسياسي قويّ مكّنها من البقاء والاستمرار لعقود طويلة من الزمن، وستبقى كذلك باقية ومستمرّة - إن شاء الله تعالى - حفظ الله لنا كياناً وقادتنا وادام علينا العز والأمان . *أستاذ التاريخ المساعد - جامعة القصيم