أعتقد أننا بحاجة عندما نريد أن نعرف ونعي تاريخنا الوطني السعودي وخاصة يوم التأسيس أننا بحاجة الى الطرح والتفكير بأشكال وبأسئلة مختلفة والتي أرى أن من المهم الإجابة عليها بل تكرار محاولات الإجابة عليها والولوج الى الجوانب الدقيقة فيها ومن وجهة نظري أن هناك ثلاثة أسئلة مهمة مرتبطة بهذه الحاجة لا سيما في مرحلة التأسيس وهي : * ما مدى الحاجة الى إقامة دولة في الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية الأولى؟ * ما مدى إمكانية إقامة دولة في ذلك الوقت بناءً على معطيات تلك المرحلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ * ما الشروط المثالية الواجب توفرها في القيادة أو الدولة التي تتولى المبادرة في تأسيس هذه الدولة؟ وللحصول على إجابة نوعية أو مفيدة على مثل هذه الأسئلة الثلاثة أو غيرها من الأسئلة المعرفية لها شروط بحثية معروفة من أهمها المعلومات الموثوقة والموضوعية والتجرد لكنني أضيف هنا شرط آخر وهو _ التخيل أو التخييل _ التاريخي وأقصد محاولة المجيب على هذه الأسئلة تخيل تلك المرحلة التاريخية بكل ما فيها من مكان وانسان وتفاعلات وظروف معيشية مختلفة. وعندما نحاول الإجابة على هذه الأسئلة بمحاولات وإضاءات موجزة فيمكن القول أنه منذ خروج عاصمة الدولة الإسلامية من المدينةالمنورة الى دمشق ثم بغداد وغيرها والجزيرة العربية تعاني من الإهمال السياسي والحضاري فلم تشهد وحدة سياسية بل قامت قوى ودويلات صغيرة وضعيفة ويمكن وصف الحالة خلال عشرة قرون بأنها عبارة عن تعدد للانتماءات والولاءات والمصالح بناءً على الحالة السياسية والحضارية الى جانب الغياب التام للخدمات الأمنية والصحية والتعليمية والتنمية عموماً إلا ما ندر ، وهذه الحالة دون شك أوجدت الخوف والفقر والمرض على مدار 30 جيل تقريباً فأصبح هناك حالة معقدة سياسيًا وحضاريًا ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل فكفكتها وإيجاد وحدة وطنية بناءً على المشتركات الدينية والثقافية والاجتماعية. لقد كان تأسيس الدولة السعودية في ظل "حالة" تلك المرحلة استثناء في مفهوم قيام وولادة الدولة لتجذر تعدد القوى والانتماءات والولاءات وطول مددها وتشابكاتها الى جانب غياب المؤسسات والخدمات وأبسط مقومات قيام الدول ، والتحول إن أمكن فيحتاج أزمان طويلة كذلك لتحقيقها والأهم بحاجة الى قيادة استثنائية من نفس المجتمع تملك "القدرة" بكل مفاهيمها. ويمكن القول أن الحالة في الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية كذلك استثنائية فالدول التي حلت بها الحروب العالمية والقنابل الذرية كانت ساحقة وقاسية ومؤثرة في كافة المجالات لكنه يبقى لها في بعض المقاطعات أو الأقاليم حالة من التنمية والخدمات والخبرات تستطيع من خلالها استعادة تنميتها أما في حالة التأسيس السعودية فهناك انعدام تام فيما يمكن البناء عليه من الناحيتين السياسية والتنموية وهذه حالة خاصة وتحدياتها عظيمة. في مفاهيم النظريَّات السياسيَّة والاستراتيجيَّة المرتبطة بتأسيس وبناء الدول يمكن القول: إن حالة بناء الدولة السعوديَّة تجربةٌ خاصَّةٌ واستثنائيَّة منذ عام 1139ه/1727م وحتى وقتنا الحاضر ، وتبرز هذه الحالة الخاصة بشكل واضح في تجربة الدولة السعوديَّة الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز، والتي مثلت أوج التجربة ونضجها سياسيًّا وحضاريًّا، ويصعب مقارنتها بتجربة تاريخيَّة عالميَّة في العصر الحديث من جانبين الأول : أنها اعتمدت في كافة مقومات تأسيسها وبنائها على أبنائها وإمكاناتها الداخليَّة، بشكل كامل بل مطلق ؛ فالدولة منذ الإرهاصات الأولى وحتى قيام الدولة السعوديَّة الأولى والثانية والثالثة لم تعتمد أو تربط تأسيسها ووجودها على قوًى خارجيَّة ولم تقع تحت ما يُعرف بالاستعمار أو الوجود الأجنبي ، والثاني أن الدولة وُلدت وابتدأت وجوديًا وتنمويًّا في العصر الحديث من العدم أو من "الصفر"؛ فلم يكن هناك وراثة لمؤسسات إداريَّة أو ماليَّة أو خدمات من دولة أو تجربة سابقة ، أو حتى بقايا دولة، أو تجربة سابقة لها. إن المتتبع لحركة ومسارات تاريخ الدولة السعوديَّة منذ تأسيسها 1139ه/1727م، وخلال ما يقارب ثلاثمائة عام يجد أن حركة هذا التاريخ في جذوره وأسسه ومساراته قد ارتبطت بإجراءات وخطوات عمليَّة – وذات فاعلية تاريخية منجزة سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا وإداريًّا- كانت مؤسَسَة ومرتبطة بأهدافٍ ذات قيمٍ مثلت طاقة فكريَّة ومعنويَّة دافعة لبقيَّة خطوات التوحيد والبناء حتى وقتنا الحاضر وقد ارتبطت هذه القيم في عمومها بخدمة الدين والمقدسات وتحقيق الأمن والعدل والتنمية المستدامة. وهذا الاتجاه الصانع للتاريخ في مشروع الدولة السعودية بأهدافه وقيمه وتطبيقاته العملية قد أوجد القناعة الجمعية لدى المجتمع في الجزيرة العربية بأهمية الدولة والأسرة الحاكمة في تحقيق احتياجاته الفردية والجمعية حاضرًا ومستقبلاً فعلى الرغم من نهاية الدولة السعودية الأولى فإن أفكار ومبادئ وقيم التأسيس والانجاز في مرحلة التأسيس والدولة السعودية الأولى لم تنقطع في فكر وذهنية المجتمع فظلت إنجازات وقيم الدولة السعودية الأولى راسخة وحية في ذاكرة ونفوس الأهالي يؤكد هذا الأمر ما نبأ به مانجان بعد نهاية الدولة السعودية الأولى حين قال "أن أسرة آل سعود قد تفرقت مع الفوضى وما زال هناك أساس خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد". وباعتماد الدولة السعوديَّة على البناء الذاتي والخاص أوجد لها شخصيَّة تاريخيَّة خاصة توافرت لها عوامل الشرعية "الصافية" دون مستعمر أو داعم أو تشابك مصالح أو جزءاً منها الى جانب المتانة والاكتفاء الثقافي والمعنوي الجمعي والثقة السياسيَّة والحضاريَّة بشكل متين ومتصاعد. وأعتقد أنه من الضرورة العلميَّة والثقافيَّة -حتى نحقق فهمًا ووعيًا أعمق لعمليات بناء الدولة السعوديَّة- أن نعرض هذه التجربة البنائيَّة التاريخيَّة في مراحل بنائها السياسي والحضاري على نظريَّات ومفاهيم بناء الدولة التي تناولها الباحثون والمفكرون، وأن نحاول المقارنة والتفسير والتحليل والمقاربة. والتأسيس والبناء من الداخل في الحالة السعوديَّة منحها الشرعيَّة الوثيقة وجعلها أكثر قبولاً وصدقًا وتمكينًا، فبدأ يسري في المجتمع وينساب في الأذهان والأفكار المعتمدة على الدين والعقل والتطبيقات العملية للدولة وقادتها ومؤسساتها قيمة البناء والوحدة الوطنيَّة وقيمة وسمو المنجزات السياسيَّة والحضاريَّة دون "تمرير" للمشروع من قوى المصالح الخارجيَّة التي تعرضه للهشاشة في ظل التعقيدات الكامنة والمتجذرة، فكان هذا البناء الداخلي أكثر جودة واستمراريَّة تصاعديَّة لثلاثة قرون ويؤكد موثوقية هذه الشرعية وقيمتها التاريخية الكثير من الآراء والنظريات المعرفية التي نعرض لها هنا بالتحليل والمقارنة التاريخية. وعندما نتحدث عن الدولة السعودية فإننا نتحدث عن ثلاثة قرون تحقق فيها الوحدة والأمن والرخاء والاستقرار بالأسرة السعودية الحاكمة، ولا يمكن للحديث عن الدولة السعودية وفلسفتها وأسرار نشأتها وعوامل نهضتها، إلا أن تكون الأسرة المالكة أسرة آل سعود العامل المؤثر والقائد في هذه الصناعة التاريخية فهذه الأسرة من أبناء هذه المجتمع وأصبح لهذه الأسرة مع شعبها علاقة فريدة ممتلئة بالكفاح والصبر والعطاء والثقة عبر الأجيال.، ويمكن القول أن من الممكن في الكثير من الدول المعاصرة أن تكتب أو تتحدث عن الوطن دون الحديث عن حكامه وهذا لا يمكن أن ينسجم في المملكة العربية والسعودية بحكم ظروف التأسيس والبناء التاريخي الذاتي والتجربة التاريخية المتينة والصاعدة حتى وقتنا الحاضر. ويوم التأسيس يمثل ذكرى فخر واعتزاز وجزء أصيل من الذاكرة التاريخية السعودية يلزمنا نقله الى فكر ووعي الأجيال لمعرفة تاريخهم وجذورهم وأصالتهم بالحقائق التاريخية بكل نقاء ووعي فالتاريخ طاقة فكر ومشاعر وفاعلية لا تنقطع يجب الاستثمار فيها ، خاصة في مثل هذه الدولة وهذه القيادة التاريخية التي تملك العزم والرؤية في الاستثمار في التاريخ وفي تطوير دولها وتعزيز قيمة شعبها فتحقق متانة البناء ومتانة التجربة وثقة الاتجاه نحو المستقبل وتكرر الاحتفاء بالتأسيس بل بقيم التأسيس. *مدير مركز بحوث التأسيس والتاريخ الوطني بجامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية