يبدع الفنان في معزل عما يبحث عنه كُتاب الفلكور في بحوثهم وتقصيهم للدراسات الميدانية، فالفنان يكتفي برسم ملامح كل ما مر على ذاكرته، ويترك باقي التحليلات لمن بعده من الكتاب والباحثين والنقاد، والفنان عبدالحميد البقشي الذي عاش في بيئة زراعية في مدينة الأحساء، مليئة بتلك الخرافات التي تتشكل في مفهومها أشكال توصف ولا تُرى ، فكانت الجدات تروي تلك الخرافات للأطفال لتهديبهم وإخافتهم، ومن تلك الخرافات: حمارة القايلة وكلبة القايلة والسعلوة والسحابة، وهي كما يبدو كائنات من الجن تظهر في أوقات محددة وبالخصوص في فترة ما قبل ظهور الكهرباء حتى اختفت تماماً من عصرنا الحاضر. وعادة ما تكون تلك الحكايات مصدر من مصادر الكائنات الخرافية المتخيلة ، وكانت تحكى في كل مساء قبل النوم للأطفال ، ورسخت في ذاكرة الناس وبالخصوص في فترة الخمسينات والستينات ، وبحسب قول بع كبار السن أن هذه الكائنات كانت تخرج والبعض شاهدها بعينه ، ورواها لمن حوله ، وكانت تتعارك مع البشر ، أو تبادلهم الغناء أو تفترسهم أو تؤذيهم، بحسب قول الباحث (عبدالعزيز المسلم) في كتابه موسوعة الكائنات الخرافية، كائنات تظهر في البر والبحر، وتظهر في اليقظة أثناء الليل و وضح النها، وقد تظهر في الأحلام. وكل هذه الخرافات لربما كان لسماعها أثر كبير في ذاكرة البقشي دون وعي، وحينما شاهد ذلك الكائن الغريب بمخالبه وبشاعة شكله تأثر بشكل كبير بما شاهده. فيلم قطار الموت ل ماين كرافت كان المفصل الحقيقي للتحول الفكري والفني للفنان البقشي، وأصبحت تلك المشاهد عبارة عن لوحات فنية يراها كل ما أغمض عينه. والفنان البقشي حينما يتحدث عن نقطة التحول بين الواقعية والسريالية، يذكر ذلك فقط ذلك الكائن الغريب، الذي شاهده لأول مرة في حياته في ذلك الفيلم ولم يشاهد من قبل كهذا الوحش العجيب في تفاصيله، ما جعله يتأمل في تفاصيله. وحينما نحلل لوحاته الأولى في المدرسة السريالية التي جاءت بعد سنوات من الرسم الواقعي، هو ما اختزن في ذاكرته من تلك المشاهد المثيرة في ذلك الفيلم، وبالتحديد تلك الكائنات الغرائبية وكذلك تلك الخرافات التي مرت على شريط ذكرياته، وتم تحويل بعض رموزها بحس فني سوريالي معقد، وهذا يلحظ من خلال المباني التراثية المهجورة، والشكل الغرائبي الذي يتوسط فناء المنازل الذائبة والمرتبطة في ذلك الشكل الهلامي الغريب الذي كان انطلاقة للعديد من الأعمال الفنية اللحقة. * كاتب وفنان سعودي