*"وقاء" تبوك ينظم ورشة عمل عن الإدارة المتكاملة لسوسة النخيل الحمراء*    غيابات النصر في مواجهة نيوم في دوري روشن    انطلاق مهرجان الشرقية الدولي لجمال الخيل العربية الأصيلة بالأحساء    القبض على باكستاني في الشرقية لترويجه (الشبو)    *بحضور محافظ ضباء.. جمعية المستقبل لرعاية الأيتام تقيم مأدبة إفطار جماعي لأبنائها*    آل ناجي ينقذ حياة سيدة وجنينها بالطائرة    مقتل العقل المدبر لمحاولة اغتيال ترمب خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة    الذهب يرتفع مع تصاعد الطلب ويتجه لإنهاء سلسلة مكاسب استمرت أربعة أسابيع    اتفاقيات تتجاوز 311 مليون ريال في «ليلة القطاع غير الربحي» ضمن حملة "الجود منا وفينا"    الاحتلال الإسرائيلي يواصل إغلاق المسجد الأقصى    القيادة تهنئ رئيس غانا بذكرى اليوم الوطني لبلاده    محافظ الطائف الأمير فواز بن سلطان يكرّم الفائزين والفائزات في مسابقة "بالقرآن نسمو"    جمعية "يمناكم" بجازان تشارك في مبادرة "توعيتكم واجب" بدار الملاحظة الاجتماعية    الراحل"فايل" يجمع نجوم القادسية والكرة الخليجية بلمسة وفاء    جمعية سفراء التراث تعقد اجتماعها الثالث بمقرها في الرياض.    وهبي بديل الركراكي في تدريب منتخب المغرب    أمير منطقة جازان يرعى ليلة "جود جازان".. وتبرع مواطنة من ضمانها الاجتماعي يثير موقفًا إنسانيًا لافتًا    دكتوراة العواجي في روايات الدويحي    البحث والابتكار والرفعة والازدهار في عيون ولاة الأمر    السعودية ضمن العشرة الكبار في مؤشر الإقامة العالمي    خدمة الإنسان لأهله    حين يتحول الألم إلى فاتورة مفتوحة    السخرية    الأسواق الشعبية.. ذاكرةٌ تراثيةٌ نابضة    تطبيقات إلكترونية للاستثمار والتداول في الأسهم    رونالدو البحث عن القطعة المفقودة    المسعودي: الشطرنج يواكب رؤية 2030.. ونراهن على الجيل الجديد    سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف    جبل أم سنمان.. حراسة الصحراء    وظيفة النقد والقيم الجمالية    المتغيرات والأولويات في الصناعات الحربية العسكرية    مواجهة المتغيرات بثبات    نفحات رمضانية    في أثر القيء على الصائم    حفظ في ظل التشريع    نفوذ السلام    نجاح فصل التوأم الملتصق الصومالي "رحمة و رملا" بعد عملية جراحية معقدة استغرقت 12 ساعة    جمعية ترابط تحتفي بليالي الشهر الكريم عبر "غبقة الأنصاري "    أكثر من 2000 زائر في فعاليات قرقيعان «ألوان الجبيل»    أمانة حفر الباطن تطلق حملة إعلامية لتعزيز استخدام معابر المشاة الذكية    أمير الشرقية يستقبل مدير شرطة المنطقة ويثمن جهود رجال الأمن    محطة الفضاء الدولية ترين سماء جدة فجر الجمعة    بدء عملية فصل التوأم الملتصق الصومالي "رحمة ورملا" في الرياض    دراسة: ضجيج المرور لليلة واحدة يؤثر في صحة القلب    رئيس مركز قوز الجعافرة يتفقد احتياجات القرى ويرعى إفطار الأيتام ويترأس جلسة لإصلاح ذات البين    أمريكا تواصل ضرب إيران وطهران تنفي السعي لمحادثات إنهاء الحرب    حماة الوطن    نجا من الهجوم على والده.. مجتبى خامنئي.. الخليفة المحتمل    «الخدمات الأرضية» بجدة تقيم مأدبة إفطار    الأمن والأمان    في الجولة ال 25 من دوري روشن.. ديربي جدة يخطف الأنظار.. والنصر يواجه نيوم    أمير نجران يستعرض تقريري مؤتمر التقنيات الذكية ومنتدى تعليم المهن الصحية    مجلس القضاء يقر تسمية رؤساء ومساعدي محاكم «المظالم»    مسلسلات النصف الثاني من رمضان    اجتماع خليجي – أوروبي طارئ لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية    مشروعية السواك للصائم    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تولمن.. وقانون العبور
نشر في الرياض يوم 15 - 08 - 2024


من المفارقات أن يُعنى القانون الذي قدّمه ستيفن تولمن 1958م بتحليل اللغة، وكأنّه قد جمع بين النقيضين عندما انطلق من العقل بقصد التأسيس لمقاربة حجاجية! فمن المعلوم أنّ العقل مرهونٌ بالمنطق في أمثل تصوّراته، وأعني هنا بالمنطق ذلك المنطق الصوري المفضية مقدماته إلى البرهنة (Demonstration) ومن ثَمَّ نتائجه إلى الإفحام -بغض النظر عمّا طال هذا المنطق من انتقادات- في حين على النقيض منه منطق اللغة الطبيعية (غير الصوري) الذي تُفضي مقدماته إلى الحِجَاج (Argumentation) ونتائجه إلى التبرير أو التأثير أو الإقناع لا أكثر، ويكون متّكئًا على إمكانات اللغة في حد ذاتها لا العقل، كلُّ ذلك في محاولة تصوّرٍ يقود إلى ثنائية مربكة -أو هكذا تبدو للوهلة الأولى- بين العقل والواقع، أو بين كينونة الحقيقة في مقابل تمظهرات الحقيقة، أو إن شئت فقل: بين المنطق الأرسطي ومنطق فيتجنشتاين وبيرلمان وتيتيكا وڤان إيمرن. ويمثل قانون تولمن للعبور المنطقي جسرًا لتفسير الظواهر الحجاجية معتمدًا على منطقية الإجراءات التشريعية والقانونية؛ حيث يرى أنّ الحجاج يجري في مجالات أخرى بطريقة مماثلة، ويتمثل هذا النموذج في مخطط يتخذ شكلاً إجرائيًا للحجج، ويكون صالحًا لجميع المجالات الجدلية التي ترمي إلى الوصول إلى الحقائق المحتملة، وتجنّب المغالطات. وتقود إلى تفاعلات ذات خطط لفحص الأفكار من خلال التأكيد على وجهات النظر والدفاع عنها، وصقل الأدلة والأنماط الاستنتاجية، وتؤدي فيه العديد من العناصر الثابتة دورًا في تقديم الحقائق لدعم وجهة نظر ما؛ حيث ترتبط المعطيات (Data) بالمطالبة (Claim) من خلال قانون العبور الذي يكون الضامنُ (Guarantee) فيه مرجعًا له بصفته مبررًا ضمنيا -أو غالبًا ما يكون ضمنيا- ويمثل منطلقًا أو قاعدة عامة تعمل على تبرير مراحل الحجاج ابتداءً من المعطيات وانتهاءً بالمطالبة؛ إذ يمكن -للتوضيح- مقاربة الضامن بالمقدمة الكبرى أو المحمول في المنطق الصوري، والمعطى بالمقدمة الصغرى أو الموضوع أو السبب أو الحجة، والمطالبة بالنتيجة، فعناصر الحِجَاج تعمل على تقديم الحقائق والوقائع والقضايا والتداعيات باعتبارها معطيات لدعم وجهة نظر تُعبّر عن موقف المتكلّم، وصولاً إلى تقديم مطالبات تتمثل في صورة نتائج لتلك المعطيات. ومن أجل ترسيخ هذه المطالبة فإن المتلقي الضمني (implicit reader) القابع في أذهاننا يعتمد على ضامن يُشكل حلقة وصل أو نقطة توافق والتقاء تُقنعه بقبول المطالبة بصفتها توجيها ذاتيا أو نهجًا تقويميًّا؛ الأمر الذي يجعل من هذا القانون نموذجًا مثاليًّا للمرافعات القضائية، فصياغة صحيفة الدعوى وطريقة تناولها تقدّمان معطيات تستند إلى ضامن مؤداه أو وظيفته التبرير الذي يعمل على الربط بينها وبين المطالبات. وهذه العملية وإن بدت معتمدة على المنطق إلا أنَّ التفاعل الحجاجي يقود إلى صناعة نموذج تداولي في نهاية المطاف. وتعد خاصية تعدّد أشكال المعطيات سمة حجاجية بارزة لدى تولمن، وهذا ما يجعله يرى أنَّ وظيفة الحجاج هي التبرير، وما عداها من وظائف تظلُّ مجرد وظائف ثانوية. ونموذج تولمن وإن لم يكن نموذجًا حجاجيًا بالمعنى الدقيق؛ حيث إنَّه -شكليًّا- إلى البرهنة أقرب منه إلى الحجاج، لإغفاله المقام الذي يتطلب متلقيًا، إلا أنه مفيد للإثبات الأقرب إلى صناعة البرهان المنطقي أو إقناع المرء نفسه وليس لإقناع غيره، لذا فإنَّ نموذج تولمن الحجاجي يتجه نحو استيفاء شروط الحقيقة (الدلالة) ويقصي القصدية (التداولية)، وإن كان من الممكن أن نستشف وجود صوت متلق افتراضي ضمني يدلّ عليه الارتباط القائم بين المعطيات في اتجاهها إلى المطالبات. فهو وإن كانت منطلقاته منطقية صورية إلا أنه يتخذ إجراءات مرنة تقود في نهاية الأمر إلى حجاج مبني على منطق اللغة الطبيعية الذي يُفترض أن يكون وسيلة تعاون للوصول إلى قرار منطقي أو شبه منطقي، لذا فإنَّ جوانب الحجة تبدو حدسية وتتطلب أن نأخذ بعين الاعتبار الاستدلالات الطارئة التي تقوم على ديناميكية النشاط التحليلي؛ حيث إنّ وظيفة التبرير تبحث منطقيا في تفسير الاستدراكات أو التدرّجات غير الثابتة المتعلقة بالفهم، وهي في هذه العملية تقوم على محدّدات لكيفية المطالبة وتقييدها وتأسيسها. فتأويل المعاني وتمثلها في العقل لا يتخذ شكلاً صوريًّا صارمًا، فقد سمح تولمن بتقييد نموذجه لخلع ربقة الصورية وحتى لا تتخذ المعاني فيه مسارًا تعميميا، وبعبارة أخرى فإنَّ قانون العبور يسمح بإجراء استثناءات للمطالبة بما لا يُخلّ بالضامن ومبرره؛ فهو كما يرى بروتن ورفاقه توليفة للفرضية وأسبابها وفق تراتبية الحجّة التي تزداد صعوبة كلّما توسّعنا في الأشياء من حولنا، ومن حيث التأسيس فلإنْ كانت المبررات تعمل على إيجاد ضامن للمطالبات، فإنَّ هذه المبرّرات تحتاج بدورها إلى تأسيسٍ ضمني يُستند عليه حدسًا للحكم بالمقبولية من عدمها؛ حيث يُمثل التأسيس داعمًا ضمنيا إضافيًّا لتأكيد صحة الحدس ووضع الضامن على محك الشك لسبر العبور إلى كلِّ مطالبة. ويمكن تقديم مثال توضيحي لما تقدّم، فلو قلنا: "الساعة السادسة مساءً؛ لذا فالدكان مفتوح، إلا إذا كان يوم الجمعة أو حدث أمرٌ طارئ". فيكون المعطى هنا: "الساعة السادسة مساءً"، وتكون المطالبة: "إذن الدكان مفتوح"، ويكون الضامن أو المبرر هنا ضمنيًّا، وهو: "غالبًا ما تكون الدكاكين مفتوحة الساعة السادسة مساء"، ونلاحظ هنا أنَّ صيغة التغليب "غالبًا" لا تتسق مع اشتراطات المنطق الصوري الصارمة الذي سيصنفها على أنّها مغالطة، لذا فإنّ المحدد الكيفي "إلا إذا ..." عمل على تقييد عمومية المعنى التي يُفضي إليها منطق اللغات الطبيعية. على أنَّ الاستغناء عن جملة التقييد (المحدد الكيفي) سيظل أيضًا مقبولاً عُرفًا في هذا النوع من المنطق المرن الذي لا يخضع للصورنة؛ حيث إنَّ الافتراضات المسبقة التي تشي بالمغالطة يمكن السيطرة عليها من خلال الواقع الإنساني والتواطؤ الثقافي والتواضع اللغوي.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.