القيادة تعزّي الرئيس الصيني في ضحايا حريق المجمع السكني بهونغ كونغ    أمران ملكيان بالتمديد لنائب ومساعد وزير الاقتصاد 4 سنوات    المملكة تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية IMO لعامي 2026- 2027    القمة العالمية للصناعة تختتم أعمالها ب"إعلان الرياض" لتعزيز التعاون الصناعي الدولي    " التعاون الإسلامي" تدين الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجمهورية العربية السورية    الأسر النازحة في قطاع غزة تشكر المملكة على إنشاء مخيم آمن يعيد الطمأنينة لها ولأطفالها    الأخضر يدشن تدريباته في معسكر الدوحة استعداداً لكأس العرب    الفرنسي"سيباستيان أوجيه" يخطف لقب بطولة العالم للراليات 2025″ رالي السعودية"    برؤية عالمية لتركي آل الشيخ.. حفل للأجيال ينتصر فيه محمد عبده للأصالة والطرب    تتويج فريق فيكتوري من الإمارات بجائزة جدة الكبرى 2025    أمير الشرقية يطّلع على مشروعات حماية البيئات البحرية.. ويستقبل مجلس «سقياهم»    أمير جازان يعزي أسرة المحنشي    الربيعة: تنمية العمل الإغاثي على أُسس سليمة وقواعد راسخة    كراكاس تندد ب «تهديد استعماري» بعد اعتبار ترامب مجال فنزويلا الجوي مغلقاً    حبيبي راح    اجتماع أوبك+ اليوم.. توقعات ترجح عدم تغير سياستها الإنتاجية    توقيع 12 اتفاقية نوعية ترسّخ ريادة المملكة في إنتاج وتصنيع التمور    رباعيات «الزعيم» و«العميد» تقودهما لنصف نهائي كأس الملك    ليوناردو.. ماكينة أهداف لا تتوقف في الهلال    غوارديولا يكشف كواليس حديثه مع هالاند بعد الفوز الصعب على ليدز يونايتد    القبض على سارقي مواشٍ بالطائف    تطوير «الهدية».. تعزيز الغطاء النباتي    تركي آل الشيخ يترأس مؤتمر الموسيقى العربية في الرياض    «نور الرياض».. خمس سنوات من الإبداع والتحوّل العالمي    حماية النشء في منصات التواصل    ثقافة الاعتذار    إنقاذ شاب أصيب أثناء ركوب الخيل    تجمع الرياض الصحي الأول يعزّز جاهزية الرعاية الصحية في معرض الطيران    جدة تختتم منافسات الجولة الرابعة من بطولة العالم لسباقات الزوارق السريعة الفورمولا1    الفضة يسابق الذهب ويرتفع 30%    عودة 7 ملايين طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة بعد إجازة الخريف    3.36% تراجع أسبوعي لتداول    50 مركبة تعبر منافذ المملكة كل دقيقة    القنفذة الأقل ب4 أطباء نفسيين فقط    موجة انتقادات متجددة لShein    الكشف عن تفاصيل عقد ديميرال الجديد مع الأهلي    الحرب في السودان تلتهم ذاكرته الثقافية وتخلق موجات نزوح ضخمة    وصول رئيس غينيا بيساو المخلوع إلى الكونغو    المملكة تعلن عن نجاح إطلاق قمرين صناعيين سعوديين    القبض على 7 يمنيين في جازان لتهريبهم (120) كجم "قات"    ضبط 1667 متسللا لداخل الحدود    8 آلاف مستفيد يختتمون الدورة الشرعية ال13 بجامع النجمي    62 ألف زائر لمعرض الطيران    حملة لتعزيز الوعي بمخاطر الإدمان    آل الشيخ ل الوطن: المملكة تحمل لواء الوسطية والاعتدال حول العالم    رصد سديم «رأس الحصان» في سماء النفود الكبير جنوب رفحاء    أمير حائل يدشن مستشفى حائل العام الجديد غداً الأحد ب 499 مليون ريال    مدير إقليمي وافد يعلن إسلامه متأثرا بأخلاق المجتمع السعودي والقيم الإسلامية    "صحة روح" تختتم برنامج الفحص المبكر في مركز الحقو    تعليم عسير يعتمد التوقيت الزمني الجديد لمدارس قطاع تهامة    التجييش الناعم والخطر الصامت    80 ألف زائر لكأس نادي الصقور 2025 بالشرقية    من الشرق إلى الغرب واثق الخطى يمشي.. «محمد»        استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    خالد بن سلمان يرأس وفد المملكة باجتماع مجلس الدفاع المشترك.. تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين دول التعاون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المنجز البصري والحداثية في نحت المجسمات السعودية
نشر في الرياض يوم 03 - 11 - 2022

في سرده عن فلسفة الخامة ذكر النحات الإنجليزي "هنري مور" "Henry moore" أن لكل مادة صفاتها وخصائصها التي تتمايز بها عن مثيلاتها، لتفصح المادة عن إمكاناتها البصرية والتعبيرية وأدورها المختلفة بمباشرة الفنان لعمله بتلقائية ومباشرة، وتزخر الساحة الفنية السعودية بالعديد من النحاتين الموهوبين الحداثيين في طرحهم، عبر منهجية فلسفية ترتكل إلى التنوع والتحرر الفكري في التعامل مع الفراغ بكافة أنواعه، ومنهم:
"محمد الثقفي".. خصوصية المفهوم والرسائل الترميزية المفاهيمية:
يمثل النحات "محمد الثقفي" أحد أهم العلامات البارزة بين نحاتي العالم العربي، حيث جاءت منحوتاته نتاج تأثره ببيئته وطبيعة المنطقة، المصطبغة بالنباتات والزهور، وكذا جماليات العمارة التقليدية التراثية والمعاصرة، بكتلها وزخارفها وكتاباتها، ومدي تعزيز الشغف لديه نحو صياغة مجسماته، مما كان له كبير الأثر في تشكيل شخصية الفنان.
ففي قدرة بالغة تمايز أسلوب الفنان بالقدرة على التجريب وتطويع كافة المواد مثل "النحاس، البرونز، الحديد، الرخام، الجرانيت، البازلت"، وإبراز الجمال الكامن بها، والإفصاح عن رؤيته لجماليات تلك الخامات بصورة مغايرة، لتصطبغ منحوتاته بالحيوية، بهدف تشكيل مجسات فراغية حداثية تجذب المتلقي وجدانيا وعاطفيا، وتحفز حالته النفسية، وتشكل المحسوس الجمالي لبلورة الفكرة.
لتتسم المجسمات الفراغية لدي "محمد الثقفي" برؤية خاصة متفردة تفصح عن قانونه الشخصي وفلسفته نحو البعد عن محاكاة عناصر الطبيعة، لصالح تسطير لغة فنية حداثية خاصة تنطلق من الاختزال التجريدي وتبسيط المسطحات والمستويات في مجسماته، مع تضمين العمل ودعمه في أحيان بزخارف تراثيه سعودية مصاغة على بدن المجسم النحتي عبر تشكيلات في أجزاء محددة دون غيرها، تؤكد رشاقة وحركه اندفاع تلك المجسمات ونموها لأعلي، لتعزيز الفعل الحركي والتعبيري في مجسماته النحتية، عبر دراسات تأملية ثاقبه للجوانب الطبيعية. وفي أحيان أخري مع كتابات وخطوط عربية متنوعة الأنماط والأحجام بارزة وغائرة وخطية تمتد في مساحات حرة على مستويات المجسم وتضاريسه وقاعدة عبر درجات لونية ذات شدات لونية متنوعة، تربطها المخططات اللونية المتشابهة وحركة العين عبر كتل المجسم النحتي. هذا إلى جانب مجسمات تجريدية خالصة، يتشكل منطقها من أصباغ ذلك المجسم بدرجات لونية قوية في كل أجزائها، مستقاة من الطبيعة مع التأكيد عليها من خلال تقنيه "الريزون" "Resin" والذي يتميز بالشفافية والصلابة وشدة الالتصاق بالأسطح والمظهر اللامع.
وأحيانا يتشكل المجسم من شرائح زخرفية من المعدن تتحرك مناسبه من خلال تفريغ يدعم الفراغ البيني والفراغ المحيط والداخلي، مع الجمع بين تهذيب الكتل والصخر في بعض أجزائه أو كلها، أو تركه مناطق ليتضاد مع الصقل كما هو دون تهذيب، في كل متسق مترابط الأجزاء يلعب فيه اللون وقيمه الملمسية الدور الداعم. وهو ما انعكس على مجسماته الفراغية عبر حيوية الأسطح والكتل، والقيم اللونية للخامات والمواد المضافة وتقنيات التنفيذ، واتجاه نمو المجسمات النحتية، في تجاوب مع تلك النغمات اللونية الديناميكية المنبسطة في حركتها وتطبيقها، ليؤسس بذلك الطرح البصري لتجارب "محمد الثقفي" الحداثية، منهجا فكريا ذا خصوصية مفاهيمية متفردة، تحفز الاتجاه المفهومي في فن النحت الميداني عبر تراكيب تقدميه تنويرية ذات بنيات شكلية حداثية، ترثي لغة مبتكرة تحتفي بقيمه الكتلة في الفراغ وتنويعاتها اللونية.
نحت الخردة: التكوينات الخاصة
والمنجز البصري الجديد لدي "صديق واصل":
وامتلك الفنان "صديق واصل" القدرة الفكرية على التحدث عن موضوعاته النحتية ومعارفه بصورة أثيرية بليغة محلقة، يعتمد تركيبها على تطوير استعارة دقيقة ومختصرة خالية من أي زوائد حكائية، من خلال الاقتصاد في الكتل والمسطحات" أي التعبير عبر أقصى درجة من التركيز للوصول إلى الاقتضاب النهائي، والهيئة القصوى المحكومة بصرامة".
فاجتمع فكر الفنان حول استخدام أساليب الاختزال بشكل جذري، والتي تعمد إلى عدم إجهاد الكتلة المجسمة بحثاً وراء تقنيات الأداء. حيث اعتمد على تكثيف المعنى من خلال أقل عدد من الكتل والإشارات الرمزية ذات المحتوى الفكري والتي تعكس طابعاً تأملياً صوفياً.
وقد تعمق الفنان "صديق واصل" في اتجاه فني منبثق من فن النحت، وهو النحت المؤسس على الخردة، والذي أسس له رواد عده عالميا مثل الرائد "مارسيل دوشامب" الأب الروحي لذلك التوجه الحداثي، حينما اكتفي بتوقيع اسمه على العناصر سابقة الصنع، لتشكل بذلك المستهلكات البيئية، readymade object، واكتشاف القيم الفنية والتشكيلية والملمسية لها، أحد المدخلات الحداثية لتوظيفها كأداة للتعبير الفني تعدد الأساليب والرؤى الجديدة في استخدام الخامات المستهلكة، وهو ما دشنه وأسس له الفنان "صديق واصل" من عوالم خاصة نسجها من عالم المستهلكات والعناصر سابقة التجهيز، من خلال تشكيلها بفعل التجريد بشكل مطلق يؤطر المشاعر والأحاسيس، وتغليفها برسائل عاطفية ترميزية مفاهيمية تتسق مع طبيعة "عصر الآلة والصناعة" وطبيعته لخامات ذات دلالة رمزية واضحة تثري مجال التعبير، ليتحول السلك لديه إلى شريان، والترس إلى مفصل، وسدائب الحديد إلى ضلوع، والكرات الصغيرة إلى عيون.
ويصبح "صديق" أبرز من عالج تشكيل المجسات ببقايا الخردة، كعناصر ملهمة للنحات وفق تصميمات تتميز بالجدة والتفكير التصميمي الحداثي، في نسق ذي إيقاع شكلي ووظيفي تكتشفه حواس النحات التي توجه اختياره، لتصطبغ مجسماته بطاقة تعبيرية، وأسلوبية تمزج التجريدية والتعبيرية، وتختار مادتها من بقايا الأدوات، وأكوام مهملات المعادن الصدئة بفعل الزمن، لتصبح المشاعر الإنسانية في كل حالاتها مصدر للإلهام والانطلاق الفني، في حوارية تزيد الحالة التفاعلية للجمهور، وكذا الجمالية الشكلية التي تتحقق من خلال مراعاة التوازن والرشاقة والتناسق والشعور بديناميكية الكتلة.
الفنان "عادل الخيمي".. حداثية البناء
مع روح البراءة وعاطفية التأثير:
وبحثاً عن أساليب تشكيلية موحية قادرة على توصيل أفكار النحات وتنحو بعيداً عن القيود التقنية والعقلية، اتجه عدد منهم إلى تفسير الحقائق وتقديم أفكاره عبر تكوينات مجسمة خالصة، تجمع بين بداهة حسية، والصفاء البدائي في محاولات للبحث عن الفرح والإيقاع والنغم.
حيث وجد الفنان "عادل الخيمي" في تلك الطريقة الأسلوبية تمثيلاً قوياً للحقيقة أكثر مما يمكن العثور عليه فى الواقع المحسوس، فالإفصاح بكامل الشيء يعريه عن جمالياته وبلاغته البصرية. وبذلك تخطت مجسماته من مجرد تسجيل لتجربة مرئية إلى رؤية جديدة للواقع تفرزها المخيلة المحلقة للنحات كنتاج للتوغل في الداخل وأغوار ذلك العالم، واستخراج ما ينطوي عليه من حقائق وقيم فطريه وتركيبية، والتنقيب عما يتضمنه من طاقات والتي تستثير بدورها العواطف والوجدان.
فساق "عادل الخيمي" شخوصه داخل تشكيلاته النحتية منفردة وفي جماعات من خلال طابعها العضوي الرشيق الممزوج ببعض التوريقات البنائية وليونة الخطوط واستمراريتها لتعطى إشارات رمزية لتلك الأجواء الحالمة التي يحملها مضمون المجسم النحتي، وتكثيف المحتوى التعبيري وتحقيق أقصى درجات الجذب.
فشخوص الفنان "عادل الخيمي" والمصنوعة من البرونز تذكرنا بالأجساد البشرية المتحفظة بحركاتها وأشكالها، وتلك الأشكال المتوقفة بغتة لحظة من الزمن، كما يحدث أثناء عرض فيلم سينمائي يتوقف فجأة عند مشهد معين.
إن شخوصه البرونزية لكائنات بشرية وحيدة أحيانا منعزلة ومخذولة مصبوبة، وأحيانا أخري تأتي شخوصه في تجمعات وتكوينات حداثية تنحو عن السائد المتعارف عليه في تكوينات مبتكره تعزز وتصدر طاقات التعبير بعيدا عن الحلول والمعالجات الجمالية، مع تشكيل تلك العناصر أحيانا منضبطة مصقولة لامعة، وأحيانا على حالها دون صقل أو تهذيب وتركها تنساب في عفوية وفق حركتها الطبيعية ليترك على أبدان شخوصه ملمسا يدفق العديد من المعاني ويزج بالغموض، داعما فكرة العمل وقيمه الجمالية والتعبيرية. في تفسير متقن يشير إلى تلك السمات المتباينة في أمزجة شخوصه الإنسانية، ويكشف عن تلك الموهبة الفائقة للفنان وبراعته في تكشف الطرق والأساليب الابتكارية في صياغة شخوصه، وتفسير المحتوى الفلسفي للعمل، والكيفية التي عرض بها معلوماته البصرية بمهارة واتساع أُفق مستنير.
إنها شخوص سابحه تبدو أكثر حياه ودأب ونشاط من الشخوص الحقيقية الممتزجة معها داخل العمل الفني، ولأن هذه الشخوص تحمل العديد من التعبيرات وأيضا الكثير من الإشارات، فهي تمتلك العديد من الإيماءات والحركات التعبيرية والأوضاع والمواقف، لتكشف عن الأحاسيس الغيبية وتقترب نحو الموضوعات الجذابة، مع الاعتماد على الروح الإنسانية التي تسكن داخل العمل لإحراز الفاعلية الكاملة، والاعتماد على خط محيطي متموج يتمتع بتلك الليونة والقوة التي ميزت طراز الفن الجديد حيث يشكل هذا الخط المحيطي أحياناً أشكالاً عضوية خالصة، تشكل خطوطاً خارجية لمفردات ذات دلالة بصرية موحية، تشير إلى عناصر بشرية، تجمع بين الفكر التجريدي والملموس.
* الأستاذ المساعد بقسم الفنون البصرية -
جامعة أم القرى
عادل الخيمي
محمد الثقفي
من أعمال الفنان عادل الخيمي
من أعمال الفنان صديق واصل
من أعمال الفنان محمد الثقفي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.