(الثروة والشهرة والمجد التي هبطت فجأة على بعض الشبان الذين دخلوا الشبكة العنكبوتية في السنوات الأخيرة، مثل مؤسسي ماي سبيس و يوتيوب، وبالطبع غوغل وفيس بوك وغيرها، هي من ظواهر حديثة في طريقة الإثراء لم يعرفها العالم القديم، كما يؤكد باومان في هذا الجزء المترجم من الفصل الثالث من كتابه "هل للأخلاق فرصة في عالم استهلاكي؟". فهو يقارن وضع الموهوبين في العالم القديم، عالم اليونانيين، الذي لم يكن يؤمن بالصلة بين الثروة والإبداع، ووضع أولئك الشبان الذين ينتمون إلى حقبة تبدأ بالعصور الوسطى وتؤمن بإمكانية الصعود المفاجئ إلى عالم المال والثروة حين تمتد يد القدر إليهم في صورة شخص ذي مكانة وثروة ينتشلهم إلى ذلك العالم). *** يبدو في هذه الأيام أنه على الرغم من إمكانية أن يحلم المرء بكتابة نص يتضمن سيناريو لحياة كاملة مسبقاً، بل أن يحاول جعل الحلم يتحقق – فإن التمسك بأي سيناريو، حتى إن كان أكثر السيناريوهات روعة وإغراءً وحماية من أي نقص، عمل فيه خطورة وقد يثبت أنه انتحاري. قد تصبح السيناريوهات السابقة قديمة حتى قبل بدء التمارين على العرض، وإن عاشت حتى ليلة الافتتاح فإن عرض المسرحية قد ينتهي في غضون فترة قصيرة بشكل مقيت. وفي تلك الحالة سيكون ربط مسرح الحياة مسبقاً بسيناريو مثل ذلك لوقت طويل بمثابة مصادرة للعديد من فرص الإنتاج الإضافية المحدَّثة وبالتالي الناجحة (وليس ثمة طريقة لمعرفة كم عدد تلك الفرص). فالفرص في نهاية المطاف تواصل الطرْق على الباب وليس من طريقة لمعرفة من أي باب أو متى سيأتي الطرْق. خذ توم أندرسن [مؤسس شبكة "ماي سبيس"] مثالاً. يبدو أنه بعد أن درس الفن لم يتحصل على معرفة هندسية كافية وكانت لديه فكرة بسيطة حول كيفية عمل معجزات التقنية. مثل معظمنا، كان مجرد مستعمل عادي للإلكترونيات، ومثل معظمنا، لا بد أنه قضى وقتاً قصيراً في تأمل ما في صندوق الكومبيوتر ولا لماذا ظهر هذا على الشاشة وليس غيره عندما ضغط هذا المفتاح وليس ذاك. ومع ذلك أُعلن فجأة، وعلى الأرجح مما فاجئه هو نفسه وبشدة، أن توم أندرسن هو صانع "الشبكة الاجتماعية" ورائدها في عالم الكومبيوتر ومؤسس ماسمي رأساً "ثورة الانترنت الثانية". تحولت مدونته، التي كانت أساساً للتسلية الشخصية، في أقل من سنتين إلى شركة "ماي سبيس" MySpace [فضائي] التي يتدفق إليها الإنترنتيون من الشبان والشبان الصغار جداً [يستخدم باومان كلمة "انترنوتس" internauts التي تذكرنا برجال الفضاء "استرونوتس" astronauts] (أما مستعملو الانترنت القدامى، إن كانوا سمعوا باسم الشركة أساساً، فإنهم على الأرجح سيقللون من أهميتها أو يتهكمون بها على أنها تقليعة جديدة أخرى أو فكرة سخيفة لا يتجاوز عمرها عمر فراشة). كانت "الشركة" ما تزال بلا أرباح تذكر، ولم تكن لدى أندرسن فكرة كيف يجعلها مربحة مادياً (والأقرب أنه لم يكن عازماً على جعلها كذلك). ثم حدث في يوليو 2005 أن عرض روبرت مردوخ، دون أن يطلب منه ذلك، 580 مليون دولار لشراء "ماي سبيس"، التي كانت عندئذٍ تعمل اعتماداً على مبلغ صغير من المال. لقد أدى قرار مردوخ بالشراء إلى عدد من عبارات "افتح ياسمسم" في هذا العالم تتجاوز في ضمانها أكثر العبارات السحرية مهارة وذكاء. ولم يكن غريباً أن يغزو الشبكة العنكبوتية عدد من الباحثين عن الثروة أملاً في المزيد من الأحجار التي لم تصقل بعد. وهكذا اشترت ياهو موقعاً شبكياً آخر من أنواع التواصل الاجتماعي ببليون دولار، ثم في أكتوبر 2006 خصصت غوغل 1,6 بليون دولار لشراء موقع آخر اسمه "يوتيوب" – الذي كان قد بدأ قبل ذلك بسنة ونصف، في ما يشبه الصناعة المنزلية الخالصة، على يد اثنين من الهواة المتحمسين، تشاد هرلي وستيف تشين. وفي 8 فبراير 2007 ذكرت "النيويورك تايمز" أن هرلي وتشين تلقيا، لقاء فكرتهما الموفقة، أسهماً في غوغل تعادل 348 مليون دولار لهرلي، و 326 مليون دولار لتشين. فكرة القدر المنقذ، سواء تجسد في شخصية حامٍ مقتدر ورفيع المستوى أو راعٍ ذي إمكانيات مادية عالية يبحث عن مواهب لم يُعترف بها أو تُقدر حق قدرها، هذه الفكرة ظلت منذ العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة خيطاً ناظماً في الموروث الشعبي الذي يروي سيَر الرسامين والنحاتين والموسيقيين. (غير أن ذلك لم يكن يحدث في العالم القديم، حين كان ينظر إلى الفن بوصفه السبيل إلى تصوير سحر الإبداع المقدس بكل طاعة وإيمان: فاليونانيون "لم يكونوا ليقبلوا بالتوفيق بين فكرة الإبداع الناتج عن الإلهام المقدس والمكافأة المالية المتقاضاة لقاء عمل منتج". ارتبط كون المرء فناناً بالزهد والفقر، "بأن يكون ميتاً بالنسبة لهذا العالم"، أكثر منه بالنجاح في الحياة، ناهيك عن أن يكون نجاحاً مادياً). الأسطورة التي تفسر، كما تفسر الأمراض، كيف يُكتشف المرء من قبل أهل القوة والمنعة هي على الأرجح مما اخترع في بدايات العصر الحديث، وذلك لتفسير حالات غير مسبوقة لأفراد من الفنانين (قليلين ومتباعدين زمنياً) صعدوا إلى الشهرة والثروة فجأة في مجتمع جعل من الولادة حكماً لا يقبل الاستئناف ولم يكن لديه متسع لفكرة "الرجل الذي يصنع نفسه" (وأقل من ذلك للمرأة التي تصنع فكرة القدر المنقذ، سواء تجسد في شخصية حامٍ مقتدر ورفيع المستوى أو راعٍ ذي إمكانيات مادية عالية يبحث عن مواهب لم يُعترف بها أو تُقدر حق قدرها، هذه الفكرة ظلت منذ العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة خيطاً ناظماً في الموروث الشعبي الذي يروي سيَر الرسامين والنحاتين والموسيقيين. نفسها) – وكذلك لتفسير حالات غير عادية مثل تلك بطريقة تعيد تأكيد القاعدة بدلاً من نقضها – أي النظام الدنيوي فيمن يصل إلى القوة والسلطة والمجد. لقد اكتشف أساتذة المستقبل من الفنانين أن كونهم من أصول متواضعة، إن لم يكونوا من المنبوذين، يجعلهم تحت طائلة قاعدة تقول (على الأقل ذلك ما أوحت به الأسطورة) أنه حتى الموهبة العظيمة التي تدفعها إرادة استثنائية وحماس متدفق ومنقطع النظير كانت غير كافية لتحقيق أهدافها مالم تمتد إليها يد معطاءة وقوية للصعود بها إلى أرض الشهرة والثراء والإعجاب التي يستحيل الوصول إليها دون ذلك.