استكمالا لما توقفنا عنده في مقالنا الماضي , حيث تحدثنا بشكل مختصر عن علم القيافة ودوره الحيوي سابقا في تحديد انساب العرب وانتماء الأبناء إلى آبائهم , ثم قارنا بين علم القيافة وتحليل الحمض النووي والمعروف باسم (DNA) وتساءلنا عن ما إذا كانت هناك خلافات ستظهر بين علماء القيافة والأطباء حول الوسيلة المثلى لتحديد الأنساب وكان هذا السؤال هو ختام المقال السابق . وبغض النظر عن إجابة هذا السؤال والتي لا تهمني في المقام الأول بقدر اهتمامي بإحدى الحالات المعاصرة المشابهة للحالة الافتراضية التي تكلمت عنها , واقصد هنا المعركة السنوية الحاصلة بين علماء الفلك وعلماء الشريعة الإسلامية في تحديد هلال شهر رمضان وهلال العيد والتي حولت هذا الخلاف إلى أحد الأمور التي ينبغي على المواطنين التعايش معها كل عام حالها من حال مسلسلات شهر رمضان ولقصة هذا الخلاف أبعاد كثيرة حيث درج الناس في المملكة على الاعتماد على روايات الثقاة الذين يشهدون بالله أنهم شاهدوا هلال شهر رمضان مقتدين بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وما روى عنه من أحاديث في هذا الصدد , ولكن الوضع اختلف في السنوات الأخيرة حيث ظهر علماء الفلك وبدأوا في وضع آراء مخالفة لعلماء الشريعة بخصوص هلال الشهر الكريم , وقد يكون الباعث لآراء الفلكيين المتناقضة مع عرف الشريعة هو فرض الرأي أو إثبات أن لعلمهم قيمة من الممكن أن يستفاد منها وقد يدخل أيضا ذلك في باب الرغبة في تحجيم سلطات علماء الشريعة وإفهامهم بأن علم الفلك من الممكن أن ينهي الخلاف الدائر بخصوص رؤية هلال شهر رمضان , وبين الشد والجذب الحاصل بين كلا الطرفين يقع المواطن في شباك الفتنة والريبة لأنه تارة يسمع بأن غدا هو غرة شهر رمضان وتارة أخرى يقرأ بأن العلماء قد أخطأوا في حسابات الشهر وأن ما اعتقده الناس غرة شهر رمضان لم يكن سوى اليوم المتمم لشهر شعبان وكذا الحال فيما يتعلق بعيد الفطر , وربما يقرأ الكثيرون ما اسطره اليوم وهم يعلمون بأن ذات المشكلة قد تتكرر في العام القادم وأن الخلاف حول قدوم الشهر ورحيله باتت من أعراف وتقاليد رمضان مثلها مثل الأكلات الشعبية . ولكن كل ما أود أن اذكره قبل قفل باب النقاش هو أنني أكن كامل الاحترام لعلماء الشريعة الإسلامية كما إنني احترم كثيرا رأي علم الفلك ورجالاته , ولكني في ذات الوقت متمسك بعقيدتي وارغب في صيام الشهر دون دخول الشك والقلق في قلبي . كل ما أتمناه فقط هو أن يتم تحديد السلطة المختصة بالبت في موضوع هلال شهر رمضان وهلال العيد , وأن تمتنع أي جهة أخرى غير مختصة عن الحديث وإثارة شكوك الناس في هذا الأمر وما تذكره الجهة المختصة بهذا الموضوع يكون ملزما للشعب ويبقى صومنا مربوطا في أعناقهم. والله من وراء القصد