قصة هذا الفتى أزعجتني، تمنيت لو أستطيع أن اقدم له شيئاً، وقد حدثني بقصته مدير مدرسة فقال: أراه نظيف الثوب إلى درجة الدقة، وعليه حذاءان جميلان يغريان بأن أشتري مثلهما، وشماغه يملع وبكل ترتيب وعناية، وكان من الجيدين في فصله، والمهذبين في التعامل الراقي، ظننته من أبناء المخمليين، لكن الفاجعة هي أني رأيته يبكي في طرف جدار المدرسة في الفسحة الطويلة وقد جعل وجهه تلقاء الجدار، ظننته مريضاً، وكان يحاول أن يحافظ على ملابسه من أن تبتل بدموعه، حينما رآني وقف مبتسما وسلم علي، سألته فحاول أن يتنكر لبكائه، وذهب يضحك إلى زملائه، وتركته إلى اليوم الثاني وجئت به إلى مكتبي في فترة الفسحة الطويلة، وقدمت له الشاي مع حبتين من الكليجاء التي أستعملها في مكتبي للضيوف، فراوغ عن إجابتي وأبدى أنه لم يبك لسبب محزن أبدا، حاولت أن أستشف السبب، لم أفلح في ذلك واستمر نظيفاً متفوقاً كما هو، وفي أحد الأيام عرفت أنه كان يبكي لأن فاتورة الكهرباء لم يستطع والده أن يسددها وخاف الطالب ألا يذاكر إذا انقطعت الكهرباء، وأخيرا عرفت والده بعد أن سألت عنه، شيخ مريض بمرض القلب، يسكن غرفتين على سطح أحد البيوت، ومعه أطفال كثر، تقاعده 1500 ريال، فلما طلبت منه أن أسدد الفاتورة بكى كثيراً حتى خفت أن تتصرم اضلاعه وقال لي: يا ولدي أنا متيقن من الاستثمار في الأبناء، فلذلك أقتر على نفسي لكي يظهر أولادي بمظهر جميل أمام زملائهم، ولكيلا يصابوا بنكسة فيتركوا الدراسة، وهم متفوقون والحمد لله، وهل تصدق أني وأمهم لا نتعشى توفيراً لثمن الجبنة التي نحشوا بها خبزة الفسحة، ولم أذكر ذلك إلا لك، وأرجو ألا يعرف الطلبة عن زميلهم أن أباه فقيراً، يا بني أنا أريد ستر وجهي والتقتير على ذاتي في سبيل راحة جيل الغد، بالرغم من مرضي، سأعيشهم ولو على حساب صحتي، استر علي ستر الله عليك، قالها فبكى وودعته. قصته هذه المملوءة بالتعفف والعفاف عن استجداء الناس هزتني كثيراً، أزعجتني أكثر، فما كل محتاج يهريق ماء وجهه يستجدي، وما كل من به ورم يحسب شحما، كان هذا الأب رائعاً في نظري، وكان ابنه التلميذ النظيف المجتهد أروع من أبيه وأكثر حفظا لماء وجهه، فهل من يد حانية وقلب رقيق يعطف على ذلك الرجل المسن الذي يسكن الدور الثالث؟ وهل من يد حانية تستر ماء وجه ذلك الرجل وذريته بالرغم من أنهم يتكتمون على حالتهم؟ أهل الخير كثر، فرقم تليفون وعنوان سكن الرجل العزيز النفس عندي، والله المستعان.